عن التصالح مع الموت

وئام) كانت الفتاة الجميلة التي طالما تمنينا أن نكونها، كل دلال الدنيا وجمالها كان موجودا في عينيها السوداوين وشعرها الأسود وجسمها الضئيل الصغير.. من كان يصدق أنه مرت قرابة عشرون سنة على المرة الأخيرة التي رأيتها فيها في الثانوية، وقد كانت تصغرني بعامين، وقد كانت تتناقر مع أختها (مي) التي في مرحلتي تناقر الأخوات المحبوب الذي طالما حلمت به.. اليوم أسمع أنها غادرت إلى دار البقاء، إلى رب رحيم وإلى مكان يليق بذلك الجمال بعد معاناة عمرها عشر سنوات مع السرطان..

أين ذهبت عشرون عاما كنت فيها في الثامنة عشرة من عمري، أسلّم عليها في أيام الاختبارات النهائية ونودع بعضنا؟
أين ذهبت سبع سنوات منذ غادرت نوف العسكر؟ وحوالي خمس عشرة عاما منذ غادرت وضحا العريفي؟

هكذا نستوعب في كل مرة يفاجئنا فيها الموت أن ما نملكه هو لحظتنا التي نعيشها، وأن حياتنا القصيرة أيام كالأحلام في عمر الوجود الطويل..
الطريقة التي نفهم بها الموت حزينة ولا معنى لها، ولذلك يصاب كثيرون منا بهلع وخوف من الموت، وحين يموت صديق أو قريب نشعر وكأن يد الموت تشير إلينا وتقول : أنتم اللاحقون، نهلع وندعو ونستجير بالله من يد الموت المتخيلة وكأنه وحش ينقض عشوائيا على أجساد الأبرياء، بينما هو نهاية لحياة كان لها معنى وقيمة لصاحبها، ولعائلته وللأرض، هو نهاية منطقية نحصل عليها كلنا، لكننا نظن أن الحياة تدين لنا بأن لانموت إلا بعد أن نهرم ونكبر، والحقيقة أنه حتى حين نهرم لا نريد أن نموت، ونظل متشبثين بأهداب وأطراف ثياب الحياة وهي تنفضنا عنها، لاسبيل إذاً إلا التصالح مع فكرة الموت، ليس انتظاره، بل التصالح معه، تماما كما كانت عليه خالتي أم زوجي!

لم تكن امرأة فوق عادية، ولاعابدة عظيمة زاهدة، بل كانت امرأة أكثر من عادية، نفضت بطنها بأولاد وبنات وعاشت حياة حافلة مليئة تتذكّر وتستحضر كل تفاصيلها يوما على يوم..
كنت حين أنام أيام زياراتي لها أستيقظ منتصف الليل على تسبيحها وتهليلها ومناجاتها وتعظيمها للخالق: ربي نجني من النار، رب اغفر لي..
كنت أتساءل عن تلك الروح الشجاعة التي تعظّم بها ربها طوال تلك الساعات، لاتمل ولاتعود للنوم، وجاء يوم كنت أستعجل فيه الذهاب إلى الرياض محتجّة بخوفي ورعبي من الإبل السائبة وأن تعترضنا وتتسبب لنا بحادث، أتذكّر جيدا ضحكتها الواثقة العميقة: تذلّين من الموت؟ إثرك مافيك خير؟
وكانت إجابتي الساذجة وقتها: ياخالة مابه أحدن مايذل من الموت!
لم أفهم معنى ضحكتها ولاأظنني أفهم إلا إن وهبت إيمانا راسخا كالذي كان يوقظها من نومها لتسبح وتهلل، وكالذي جعلها تستقبل منيّتها وتعرف دنو أجلها وتخبر من حولها، وتبدأ في التشهد منذ صلاة الفجر بصوت واحد حتى فاضت روحها بعد صلاة الظهر…
لطالما أرهقني وطيّر النوم من أجفاني ووعيي فكرة أني سأموت، وأظن الملايين من البشر يفكّرون مثلي، ويطرحون أسئلة مثل أسئلتي: هل الموت يؤلم؟ هل ستكون أجسادنا واعية تشعر بكل خلية تنتزع منها الروح كما كانت تقول لنا المعلمة المتدرّبة في درس الحديث أيام المتوسطة؟ هل الموت مأساوي بالشكل الذي يجعل كلما يرافقه من حداد وعويل وصراخ واكتئاب أمرا مبررا؟
علي أن أعترف أن كل ماقرأته وماتعلمته في سنوات طوال منذ بديت أعي نفسي لم يكن متصالحا مع الموت، ولذلك كان مرعبا بالنسبة لي ولكثير من الناس في زمني، بالذات البنات..
أول موت شهدته كان موت والدي وكنت في الحادية عشر من عمري، كنت أسمع بكاء أمي وأخي الكبير (غير الشقيق) وهو يطلب منها المسامحة والغفران، لا أدري لم كان يطلب ذلك لكني أتذكر جيدا شعورا بشعا سوداويا من الحيرة والألم والفجيعة، كنت صغيرة وكنت أشهد الموت لأول مرة في حياتي وكنت أظن الموت بشعا ومخيفا جدا كما صوروه لنا، فخلفه ستأتي سيناريوهات كثيرة طالما حفظناها، حساب وجزاء ومنكر ونكير بأشكال مرعبة وضمّة للقبر لايمكن أن ينجو منها أحد، كل هذا كان كثيرا على خيالي الصغير وأنا أتخيل والدي ينتظره كل هذا..
فيما بعد تصالحت كثيرا مع فكرة حساب القبر وعذابه ونعيمه، لا أدري كيف، ولا أتذكر أن شيئا كان يرعبني في الموت سوى أن يأتي فتنتهي معه كل فرصة للعودة، كل فرصة للوجود.. لذلك حين توفيت طالبة وكنت في الصف الثالث الثانوي وحصلت إغماءات وعويل في طابور الصباح حين أعلن الخبر، لم أتفهم حالة الهلع التي سادت وظننتني المتسببة بها (نظرا لكوني التي أذاعت الخبر عبر مكرفون الصباح وكما أرشدتني أستاذتي) كان شعوري بالذنب لتسببي في حزن الطالبات أكبر من حزني على الطالبة وتخيلي لمصيرها حتى رأيت قريبتها وهي تصرخ بأعلى صوتها : هل هي تحاسب الآن؟ هل منكر ونكير ينتظرانها؟

وقتها كنت أنظر بانشداه هائل لمنظر أمل وهممت بتوبيخها على ماظننته تجديفا وتطاولا على عالم الغيب وقتها، لكنني أمسكت نفسي ولله الحمد، لكن الموقف علق في ذاكرتي طويلا وعلّق في رأسي السؤال حول لماذا ماتت وهي في هذا السن ؟ وكيف تموت؟

كبرتُ وبدأ خوفي من الموت يكبر، أظن لأن آمالي في تلك المرحلة كانت تكبر بنمو جسدي ونمو رغباته، فأنا أتخرج من الجامعة ولدي عائلة وأم مريضة يجب أن أحيا لأرعاها، ولدي جسد يتطلب الكثير ويرغب في الكثير، يرغب في زوج وأطفال وحياة مستقلة مثل غيري، ولذلك لايفترض بالموت أن يقاطع هذا كله، وتحوّل خوفي من الموت إلى رعب حقيقي حين أصبت برهاب المركبات ورهاب الطائرات ورهاب الأماكن المرتفعة، وأصبحت عاجزة عن التخلص من خوفي اللامبرر.

توفيت هديل الحضيف عام 2008، ولأنني كنت في لندن فقد تابعت ذلك المشهد برعب شديد، كنت أتقصى أي خبر عن أنها ستتحرك أو تبدي أي نوع من الحياة في غيبوبتها التي توفيت على إثرها… كان الموت أيضا وقتها يلعب بمشاعري..

جاء العام 2009 لأسمع أن نوف _صديقة الثانوي_ ترقد في العناية المركزة بعد نوبة ربو حادة كالتي كانت تجعلها تشرف على الموت في الثانوية، ظننتها ستتجاوزها وقد أنجبت أربعة أطفال وأصيبت بسكر وتعايشت معه، ظننت أن جسدها سيقاوم هذه المرة ولكن القضاء كان حان، واستقبلت خبر وفاتها بعقل لايريد التصديق، ظللت أيام عزاءها أستعطف بنات أخواتي أن يسألن بنت أخيها هل حقا ماتت أم أنهم يستبقون الأحداث لأن حالتها سيئة جدا ؟

كنت أهرب من خبر وفاتها وأحاول أن أنشغل بالحياة، لم أتصالح بعد مع الموت، ولا مع الحياة، ولم أتخلص بعد من رعبي من الموت حتى زارني في عائلتي عندما توفي معاذ، ابن أختي الذي ربيته وحملته بيدي، والذي كنت أوبخه على قيادته المتهورة قبل الحادث الذي أودى بحياته قبل شهر..

كان الحزن الذي خيّم على حياة عائلتنا كبيرا جدا، كنت أرى عبد العزيز (أخوه الأصغر) يتعايش مع القصة ويحاول أن يعيش حزنه بطفولته ولم يكن يتجاوز وقتها الحادية عشر من عمره، أما حاتم (أخوه الأوسط) فقد كان حزنه أثقل من سواد شعره وخطواته وهو يصعد الدرج إلى غرفته منسحبا..

كانت ريم (أخت معاذ) تكاد تفقد عقلها وهي تحاول فهم السبب الذي لأجله أخذ أخوها، وحتى ضي (بنت أختي الثانية) تساءلت بنفس الطريقة، لماذا ؟
لعبت دور الخالة الجيّدة ونهيتهن عن الأسئلة التي لاداعي لها (وهي حقا لاداعي لها)، لكنني منذ ذلك الوقت كرهت الموت، وحقدت عليه، ولفترة طويلة أخفيت شعورا دفينا بأنه ظالم وشنيع وخبيث وغير عادل، وكنت أمنع نفسي من أن أبوح بهذا فأفقد إيماني، ولم أفقد إيماني قط..

مرت السنوات ووجدتني بعد وفاة معاذ (ومن بعده شوق ابنة أخي الأكبر عام 2016 وبعدهم ابنة عمي ريم عام 2018) أصبح شخصا آخر، لم يعد الموت يخيفني بنفس القدر، لم أعد أرهب ركوب الطائرات ولا المرتفعات، هل يعقل أنني تعايشت مع الموت؟ أم أنني أهرب منه فقط؟

إن كمية الموت التي ضختها شاشات التلفازات بعد الربيع العربي، وشبكات التواصل الاجتماعي كانت كبيرة وكافية لتبليد حس أي إنسان، لذلك كنت أمنع نفسي من مشاهدة مايمكنه أن يميت قلبي، رغم ذلك كانت الصور والمقاطع تغزونا حتى في أسرّة نومنا..

والموت رحمة وراحة للمؤمن حين يحين وقته، أما قبل ذلك فعلى المرء ألا يتذكره، وأن لايتركه يقظ مضجعه، وأن لايستدعيه أو يفكر به، لأننا لانعرف ما الموت ، ولا أحد عاد منه ليخبرنا كيف يبدو، ولن يعرف منا كيف يبدو إلا حين تحين ساعته…

وأعرف تماما كما يعرف قارئ كلماتي أن الفكرة وحدها لاتكفي، وأن مجرد إيماننا بأن الموت مصير محتوم نراوغه ولن نهرب منه لو حانت ساعته غير كافٍ لأن يخلق لدينا شجاعة مواجهته دون عمل..

فمن يعمل ويعرف ربه ويستشعر معيته في قلبه لن يجزعه أن تحين ساعته، ولن يؤلمه أن تتنزل عليه الملائكة أن لاتخافوا وأن لاتحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون..

وهنا وحده يكمن التحدي..

Posted in غير مصنف

Nothing Behind that Door

It aches my heart…setting there watching you battling others … interrogating me if I believe in you…your fanatic views..

You…looking so much like the last Che .. Hating free market …speaking nihilist-V for vendetta style..

Well, I care too less about your bloody views..

I care about your nasty lips.. Where all these fanatic words slide away… those lips where I wish to melt all my frustrations on…

***

I am not sure if you relies how unimportant economy-politics-America – poverty- even human trafficking …to me and you..

In the presence of yours … the sad disappointing world shrinks into the warm space between our two bodies..

Yes two bodies…I will never say (two souls)..or other poetic nonsense .. it is just me and you..

You blabbing politics and America in my ears … me craving a chilly kiss on your nick… just to stop this stupidity , so we can mind our own politics..

***

You must understand this:

World, is just me and you…

Squeezed in the space between us…

Wars? Allies ? conspiracies? Corruption?

I don’t know nothing about that…

Let’s face it my love…

There is nothing behind that wall..

There is nothing behind our door..

ميقاسيتي، قصة عن وجبة سريعة..

ميقاسيتي/ قصة عن وجبة سريعة:

لاشيء يمكنه أن يذل الرجال ويخرّب الطباع والبرستيج مثل بطن جائع، جائع لم يتناول شيئا منذ غداء الأمس. بائس أنت يا هذا الرجل وزوجتك تقضي يوما واحدا بعيدا عنك، حتى الثلاجة تنفيك وتريدك بعيدا عنها، والفرن ينفر منك ولايريد يديك المرتبكتين.

وحين اتصلت سيدتي لآخذها كان الفرج، وطرت لآخذها حيث يمكنني أن أنعم بوجبة في أي مكان، أي شيء يمكنه أن يسكت هذا الذئب المفترس العاوي داخل معدتي.

ولا أدري لم ينسى كل رجل، كل سعودي حين يكون جائعا ، ضوابط الزمان والمكان لاختيار المطعم الأفضل، فاليوم هو جمعة، والوقت هو ظهر إلى عصر، والمنطقة مكتظة بألوان البشر والجنسيات المتدحرجة على قوارع شارع هارون الرشيد بالمشروبات الغازية والدهون المتقاطرة من الأفواه.

هذا مارأيت أنا وهي وأنا أقتحم مكتب الطلبات وأطلب من الحرمة أن تحجز لنا طاولة، فأنا نحيف الجسم يمكنني التسلل عبر الأجساد، وهي سريعة الخطوات يمكنها بلوغ الدور الثاني قبل هجوم العائلات المتهادية المنتفخة المتزاحمة على بوابة الطازج.

جاء رقمي كبيرا طويلا وأمامي صف من الرجال المتعرقين الجائعين، ينظر كل واحد للآخر شزرا وينوي به شرا، وكأن طاولة الطلبات أسوار طروادة، وكأن الفلبيني الذي يصارع زحام الأيدي الشهباء الممدودة بالفواتير هو هيكتور الرهيب، يمنعهم أن يقتحموا عليه خلية طعامه العابقة بالقلي والشوي والكبس والصراخ والشجار.

هذا المنظر البديع من معركة الصراع من أجل البقاء انقطع بصوت شبشب زوجتي ينزل ببطء الخيبة درجات السلم، لاتوجد غرف للطعام…والآن سنضطر لأخذ الطلب (تيك أواي) ، وأين سنأكل مثلا؟

_في أحد الحدائق..

فكرة جميلة والله، فقد مر بنا زمن طويل لم نجلس خارج شقتنا الضيقة، وهاقد جاءت لنا النزهة برجليها..

صف متململ من الأطفال المستنسخين من أب واحد ، تشعر وكأنهم فيلم وثائقي عن حياة إنسان، صغير كبير ، أكبر، أكبر الجميع، يتململون بملل وهم يتدارسون الطلب.

أب متلمظ ضئيل الحجم في منتصف أربعيناته ، بيمينه ورقة، وعن شماله طفل يعوي ويتدلل، الأب ذاهل في مراقبة رقم طلبه ، وإذ جاء طلبه أخيرا اختفى في ثقب من الزمن، ثم انبثقت الأرض عنه مرة أخرى حاملا صينية طلبه وهو يقود الطفل المدلل أمامه..

حقيقة ، وفي لحظات الانتظار تلك يمكنك أن تصنع فيلما من وجوه الناس وهي تترقب في لهفة..

الرياض كلها كانت في الطازج في تلك اللحظة، وروائح القلي تعتبق بروائح المكيفات وهمهمات الجائعين وأنين الأطفال، أومأت إلى الحرمة أن انتظري في السيارة ، وانتظرت أنا أمام الباب أنظر إلى هذا الخلق ..

ارتطم كتفي بزجاج الباب إذ فتحه شاب يمسك يد والده الكهل، اعتذر بلطف وانسحب وأنا أتخيلني بعد عمر طويل ف مثل عمر الكهل..هل سازور الطازج؟

هل سآكل في الطازج حين أبلغ من العمر ما بلغ؟

لست أدري ماالهاجس الذي جعلني أغوص في تلك الصورة، وأتخيل جسدي النحيل وقد ارتخي، وتعاظم حجم أكتافي، وانهدل أسفل بطني ، وتكوّنت لدي ذقن ثانية وثالثة … والدهن يتكدس في فمي وأنا أستمتع بالحياة..

ربما لشدة ماكانت الصورة مخيفة ومرعبة فكرت لوهلة أن أنسحب وأهرب .. ولكن ذئبة الجوع الكافرة في بطني سخرت مني وقضمت لحمة المعدة بوقاحة، وانتهيت إلى نفسي أزور دورة المياه لأضيع بعض الوقت ..

غسلت يدي نظرت إلى وجهي ودققت النظر في كل شعرة مرتكزة في خدّي وأنا أعد نفسي بحلاقة متقنة بعدما أسكت هذا الجوع..

جاء رقمي وخرجت وأنا أسب وأشتم وألعن وروائح الشوي تطيّر ماتبقى من عقلي.. وانطلقت والحرمة تمسك لي بكيس البطاطس المقلية، عسى أن لاأقضم أصبعي لاشعوريا..

فرغنا من الزحمة في الطازج فاين نجلس الآن لنأكل..

طوت بنا السيارة كل طريق ممكن، نبحث عن خضرة أو منتزه… المنتزه الوحيد الذي نعرفه تحت الصيانة.. ولم يتبق لنا إلا قوارع الطريق ومواقف السيارات في المول القريب، حيث تفترش العوائل الكبيرة السعيدة ، وتشوي وتتناول الشيشة بالضبط تحت لوحة (ممنوع الجلوس منعا باتا ) ..

أطفال من كل عمر وجنس ولون يتزلجون فوق الأرصفة والمطبات المتسخة ببقايا افتراشات العوائل على مر السنين، لاشيء يسر العين، وأكوام من زبائل تختلط باكوام من ركام البناء على جوانب مناطق تحت الإنشاء.

رغم ذلك أجد بشرا ، أجد سيارة ورأسين لرجل وامرأة يلتهمان شيئا ، وحولهما أطفال يقفزون حبورا… من أي مكان دخلوا؟؟

كيف وصلوا إلى تلك المنطقة المعشوشبة بالزبائل والنفايات والحجارة؟

كانت ذئبتي الكريهة قد خمدت بفعل قطع النقتس وتغميساتها الحارة التي بقّعت ثوبي ..

حقا يفقد الجوع الإنسان وقاره ونظافته ، في أقل من ساعتين..

ركنت السيارة واليأس يأخذ مني كل مأخذ..والزوجة تقرمش قطع النقتس معي …

مابدهاش..دعينا نأكل في السيارة يا سيدتنا..

فرشت كيسا على حضني وساعدتني على تشمير أكمامي، لأنني وبكل صراحة لم أكن قادرا على فعل شيء غير الأكل في تلك اللحظة..

ذلك الخلطبيط الذي انتهينا إليه أنا وهي والجو يخلو من أي صوت إلا صوت قضمنا والتهامنا كان مثيرا للسخرية..

الأرض أمامنا ممتدة بلا انتهاء ولكن لا مكان لنا فيها..

الأرض كل الأرض ، قار ورصيف، وأراضٍ بيضاء  مملوءة بالزبل والناس، لم نجد عليها مترا نأكل عليه …

هل لهذا معنى؟

عدلت وضع كرسيي إلى الخلف لأمنح بطني وساقي مزيدا من المساحة، ووجدت أن سيارتي الصغيرة التي تنتقدها زوجتي دائما قد اتسعت لي مالم تتسعه الكرة الأرضية كلها..

ووجدتها قد رحبت بي (من الرحابة) وبفوضاي، وبماتقاطر من فمي وأصابعي من الصوص وفتات الخبز..مالم ترحب به مدينة متسعة مترهلة الأطراف..

المجد لسيارتي الصغيرة ، والمجد لعالمي الصغير المكوّن منّي، ومن السيدة التي تشاطرني حياتي وبقعتي وبقع الصوص فوق ثوبي..

المجد للمسكينة بجواري وهي تنظر إلي سعيدة بكل هذه الفوضى والوسخ ، وتلتهم الخبز والدقيق يرمّد عباءتها السوداء..

كان منظرنا طريفا ودافئا وجميلا، وكأن الله قد جمع العالم فينا، 

في سيارتنا المتكعبرة التي تتوقف عن العمل كل كذا كيلو متر …

شعرت بالسعادة تغمرني لدرجة أنها طفرت مني ضحكة..وندّت عنها ضحكة بدورها..

ضحكنا لدرجة أن اهتزت بنا السيارة التي أصبحت كرتنا الأرضية ..

لم يعد يعني لنا كل الفراغ حولنا أي شيء..

***

 

وطنية حبتين

وطنية حبتين

طالما تصوّرت أن مجتمعي ببساطته وبدائيته قد نجا من كثير من الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالتمايز الطبقي ، والعرقي، أعرف حتما أنني أكذب على نفسي بهذا التصوّر ولكنني مازلت أؤمن بهذا التصور لأنني _ببساطة_ لم أتعرض في حياتي لموقف يجعلني أتصور أني أنتمي لمجتمع يعتبر التمييز العرقي والطبقي جزءا من معتقداته الاجتماعية..

قبل يومين فقط من كتابة هذا المقال كنت في _حسنا كنت في أحد المولات التي أصبح عددها كبيرا لدرجة أنه يصعب أن تتذكرها_ وكان مكتوبا على واجهة هذا المول أن الطعام المقدّم في المطاعم بنصف قيمته…

ولك أن تتخيل ال (واو) الكبيرة التي ترتبت على ذلك العرض، فالمتسوقون والعائلات بدوا وكأنهم جاءوا خصيصا لهذا العرض كما هو متوقع في كل مناسبة مشابهة..

الجديد في هذا المشهد هو أنني توجهت لشراء بعض المشروبات لأبناء أختي من أحد المطاعم التي فتحت شبّاكها للتو بعد صلاة العشاء..وبعد ثوان بدأ أحد الزبائن ينتقد بطريقة مستفزة عامل المطعم _من جنسية عربية_ بسبب أنه اختار وجبة لم تكن مخفضا عليها وفقا للمكينة كما يقول عامل المطعم..

–       لا ياخوي مادام انتم كاتبين تخفيض معناه تخفيض على كل الوجبات ولا سكّروا مطعمكم!

هكذا بالحرف الواحد..

عامل المطعم لم يبدُ مستفزّا في البداية ولا حتى في منتصف المشادة التي وصلت بالزبون لوصف الموظف والمطعم بألفاظ من جنس (تلاعب-غش-وطننا) ورغم كل ذلك فقد تحدث الموظف بلهجة ضعيفة منخفضة عن كونه (مجرد عامل) ليس مخوّلا بتحديد أسعار الوجبات المحددة سلفا على مكينة الصرف …

ولأن الزبون المستفِز _بكسرالفاء_كان يريد افتعال مشكلة من اللا شيء، فقد علا صوته أكثر وهو يطلب من الموظف أن يكلم مدير المطعم ناهيك عن كلمات جارحة في حق العامل مغلّفة بتحدٍّ وأسلوب مستفز لا معنى له، مضافة إلى كم غير محدود من الفوقية والتعالي على _حتة موظف _ حسب تعبير العامل..

المقزز في الأمر ليس كون الزبون افتعل هذه المشكلة السخيفة، وليس أيضا في كون المتجمهرين اكتفوا بالتفرّج صامتين دون أن يتدخل منهم أحد لتهدئة أخينا الوطني الحبتين _وأنا منهم بطبيعة الحال_ ولكن المشكلة حقا كانت في أن رجال أمن السوق تدخلوا وسحبوا العامل الذي كان يرتجف غضبا وخوفا ، ولا أدري أهم سحبوه خارج مطعمه لتهدئته أم لتهديده، فيما حاول أحدهم _وبتهذيب مفرط_ تهدئة الزبون الذي ناء فمه بكم من الكلام العنصري والكاره الجارح، والذي بدا فخورا جدا بما قاله لسانه وما اقترفه حسه الوطني الزائد لبث مزيد من الكراهية للأجانب والدخلاء على مجتمعنا ..

ورغم أن هذا كان منكرا صريحا فإنني لا أظن أن أحدا كان سيتدخل للإنكار على أخينا الزبون وتذكيره بأن وطننا ومجتمعنا ليس بحاجة لأمراض زيادة، ولا تنقصهما أمراض اجتماعية لتزداد طينتنا بلّة ..

وبالحديث عن المنكرات التي اختصرت في عقلنا الاجتماعي في كشش الشباب وعباءات الشابات ولبسهم، فإن أحدا من الكتّاب_الخطباء_ الأدباء وكل منبر توعوي لم يحاول تناول مشكلة العدوانية والتنمر على الأجانب واستخدام الألفاظ العنصرية بشكل اعتيادي أثناء الحديث معهم..

أتفهم شعور ابن الوطن حين يرى كمية العائلات غير السعودية التي تتدفق على أراضينا، بكل مايعنيه ذلك من ازدحام على فرص العمل واستغلال _قد لايكون جيدا ولا راقيا_ للخدمات العامة ، لكن التنمر والتلفظ العنصري لم يحل مشكلة ولن يخلق حوارا، وبالتأكيد، لن يفعل بنا سوى أن يزيد طينة فوضانا ومشاكلنا بلّة.

 فن التشيئة والاختزال…

فن التشيئة والاختزال

السادس من فبراير 2012

للتمييز العنصري دركات كما للجحيم دركات، وأسفل دركات التمييز العنصري هي المرحلة التي يصل فيها العنصري إلى مسخ الضحية إلى (شيء) يختزل فيه من إنسان كامل متعدد الجوانب ، إلى جانب واحد (عضوي أو نفسي أو وظيفي) بحسب المرتبة التي يتفضل بها العنصري على الضحية بتعريفه..

في يوم من الأيام اختزل السود بسبب لون بشرتهم (السبب العضوي) إلى مسمى العبيد ، حيث كان يعبر عنهم ويتحدث باسمهم في الخطابات العنصرية القديمة كأشياء أكثر منهم كائنات حية، وفي أحسن الأحوال، كان يعبّر عنهم كبشر أقرب إلى عالم الحيوان منهم إلى عالم الإنسان المتحضر

لأجل هذه العنصرية في الفكرة، أصبحت هناك عنصرية في الفعل، فظهر الاستعباد وبيع البشر، وشرعن اختطاف قبائل بأكملها لتباع وتشترى وتخدم في المستعمرات، وبالتأكيد انعكست عنصرية الفكرة في القانون، فنظر إلى قضايا حادثة مثل الزواج المختلط  من منظور الفكرة العنصرية ذاتها..وقد عرض الفيلم الوثائقي (بريطانيا المختلطة) الذي أنتجته وعرضته البي بي سي في سبتمبر من العام الماضي صورا تعبّر عن نمط العقل الجمعي الذي سيطر على ثقافة عصر الاستعمار ومابعد الاستعمار.

صندوق الأشياء التعيسة:

وقد يتساءل منا عن السبب الذي لأجله ينسى العنصريون أن من أمامهم هم (إنسان) وليسوا (أشياء)..فتكون الإجابة هي أن تكرار الصورة المنمطة ، والفكرة المغلوطة عن المميز ضده، ترسخ في النفس فكرة شيئية الآخر، في الوقت الذي تتعاظم فيه هيمنة المركز (الأنا) لدرجة ادعاء الألوهية بشكل أو بآخر..

كما إن اعتياد الحياة- والتفكير داخل صندوق محدد الأفكار والألوان والثقافة، تجعل من الصعب جدا تقبل الآخر الذي يأتي مختلفا محملا بكل العناصر الصادمة للوعي المسبق وللخلفية الثقافية المعروفة المألوفة، فيبدأ التصنيف، والمحاولات العسرة واليائسة لمعرفة الآخر وإقصائه، ومن ثم ينتهي الأمر بتشييء الآخر وحبسه داخل صندوق دمى كبير لا يحق له فيه التمتع بامتيازات السيد، ويخرج من هذا الصندوق باشتراطات معينة عندما تتم الحاجة إليه. تماما كما نفعل بالأشياء، كان السادة يفعلون بالعبيد، وطالما فعل الذكوريون بالمرأة .. يخرجان من الصندوق وقت الحاجة، وثم يعادان إليه عند الانتهاء منه..

إنها جهالة الأنا، بمحتويات الآخر، جهالة العنصري، بما يحتويه عقل الضحية، ولطالما كانت الجهالة أساس كل خطيئة، ومصدر كل شر..

عينان لا تريان إلا القشرة:

الفكرة العنصرية تقوم في أصلها على مشكلة في التعريف-المعرفة، حيث ركّبت عينا الإنسان لينظر نظرة واحدة لا يمكنها أن تجتاز ما هو ظاهري..وجعلت هذه العينان السبيل الأول إلى المعرفة …ومن ثم كان دورهما كبيرا في إثراء المعرفة…ولكن دور العين المجردة طالما كان خادعا، خصوصا عندما يرتبك العقل ذو المعارف المسبقة أمام الاختلاف والأشياء غير المألوفة..

إن التشييء والاختزال هما حالة من المعرفة، وحالة من الجهالة في آن واحد..

فعندما تعرف عن الأسود لون بشرته، أو عن المرأة جنسها، أو عن المسلم (فكرته في الجهاد) أو عن البنقالي …أو عن أي أقلية مضطهدة حول العالم، فأنت تنظر لمسرح كامل من ثقب باب، وترى ما هو قطرة من بحر على أنه كل من كل، ثم لا تتورع فيما بعد عن أن تبني على هذه الجهالة (عالما) و (مجتمعا) وأطروحات ونظريات وردود ومناكفات وغيرها  ..

لا ينجو أحدنا من التمييز بأي حال من الأحوال، فكلنا في واقع الأمر عنصريون بدرجة ما، لكن الفارق هو أننا نمارس العنصرية بنسب متفاوتة، أو بطرق خفية قد لا تظهر لنا ونحن نمارسها..

النازيون وقد تحولوا إلى أشياء!

وقد مارس النازيون يوما ما عنصرية مادوية بغيضة ضد المسنين والمعاقين لا تختلف عما عاناه اليهود من الأجناس التي أعتبرت (أدنى) وأقل حقا في العيش والتمتع بامتيازات الجنس المتفوق..

فضربت النازية أبشع صورة في التاريخ الحديث لتشييء الإنسان ، فظهرت لغة عنصرية ذات منطق عنصري دينها وعقيدتها مقارنة الإنسان بالأشياء، في انتكاس كبير للفطرة البشرية، وتجاهل عظيم لكل موروثات الإنسان وجمالياته أيا يكن اختلاف ثقافته أو معارفه..

وقد أظهر فيلم (شندلر ليست_قائمة شندلر-1993) مشاهد أغلبها كان حقيقيا لما جرى في المعسكرات النازية ضد الأقليات الأقل، ويدور معظمها حول تحول البشر إلى كائنات أقل، ومن ثم إلى أشياء، حتى إن النازي الرمزي في الفيلم –الجنرال آموند غوثيه الذي قام بدوره الممثل البريطاني رالف فينيس_ كان يتساءل عن خادمته اليهودية حين اصطرع داخله الضمير والفطرة في مقابل الفكرة العنصرية البغيضة: هل هذه العينان عينا جرذ؟ هل هذا الجسد هو جسد قرد.. هل هو قادر على الإنتاج أم لا…

وهكذا ولا شعوريا، ورغم إصرار الفلسفة النازية على الإعلاء من شأن الإنسان الآري، إلا أنهم وبشكل لا شعوري امتسخوا هم أنفسهم إلى اشياء، حيث صارت قيمة الإنسان كامنة فيما يمكن أن يعمل ويصنع، فأعليت قيمة الشباب في مقابل التعنصر ضد كبار السن، وأعليت قيمة السلامة الجسدية في مقابل الإعاقة ، ولم يعد أحد غير قادر على العمل مستحقا للعيش والاستهلاك في عالم لا مكان فيه إلا للمتجبرين والمتكبرين والعتاولة..

وتجد أن النازية تتشكل وتظهر على كل ثقافة عنصرية استعلائية ، وتتسلح بأسلحتها المنطقية والحجاجية والمادية، بينما منطقها ومبدءها ومنتهاها فكرة التغلب والاستعلاء…مهما حاول المتحدث تلطيفها وتبهيرها بقبسات إنسانية أو نصوص مقدسة.

وفي بعض النصوص التراثية لكثير من المحسوبين على تراثنا الإسلامي تجد تمجيدا لعقيدة الاستعلاء والغلاب في النصوص التي تبرر التمييز ضد الفئات الأقل (كالمرأة والمملوك مثلا )..

وهنا نفهم أن العنصري يجنح إلى تبرير واقعه والسعادة به وإقناع ضحايا هذا الواقع  بأن يكونوا سعداء به، لأن كل شيء في هذه اللوحة العنصرية المشوهة إنما يجري وفقا للمنطق، فالحياة تقتضي أن يعلو بعضنا بعضا وأن يكون أحدنا غالبا والثاني مغلوبا، وأن يحاول أحدهم تغيير هذا الواقع فهو حتما شخص متآمر يريد أن يسرق منا سعادتنا ويغوي عبيدنا ويجريء علينا سفهاءنا ، وهو بالضبط عين ما قاله كفار قريش عن دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم..

من المهم أن نفهم أن أحدا لا يمكنه تغيير واقعه وهو لا يشعر أنه خاطىء ابتداء، ومصيبة الفكر المحافظ هي أنه لا يرى في الجمود والاستاتيكية إشكالا من الأساس، فضلا عن أن تكون عناصر هذه اللوحة الاستاتيكية خاطئة او بحاجة إلى تغيير …

فالذكوري وهو يمارس احتقار الأنثى لا يشعر بأن ما يفعله تمييز في الأساس، بل هو تعامل مع الأنثى وفقا للتعريف الموجود في ذهنه مسبقا، والمستعبد يتعامل مع العبد لا على أنه يتكبر عليه أو يستعلي ، ولكنه يتعامل معه بما يقتضيه التعريف الموجود في ذهنه مسبقا..وربة المنزل تتعامل مع عاملتها المنزلية بنفس الطريقة ليس لأنها لا تخاف الله أو متكبرة في الأصل، ولكن لأن الشغالات ما ينعطون وجه…وهكذا قس..

وحين تتعمق النظرة، وتدلف العين البشرية البسيطة إلى داخل ذلك المظهر المحشور في جلد أسود أو جسد أنثوي أو عينين شرق آسيويتين أو جسد شائخ أو جسد مصاب بالاضطرابات أو الإعاقات، حين تدخل أعمق وأعمق تجد الروح واحدة، والدم واحدا، والخلايا متشابهة.. وتجد شعور الإنسان بالألم والخوف والجوع والفرح والغبطة والأمان والسرور واحدا، بين المميز والمميز عنه..

وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عما يجعل المميز يقول بفعل التميز، وماهو الشيء الكبير الذي لأجله استبيح المميز ضده؟

وسنجد أنها أمور مادية لا أكثر، خارجة عن جهد الإنسان وعمله وشقائه..فالذكورة والجمال والبشرة البيضاء والصحة والعافية والشباب كلها أمور خارجة عن جوهر الإنسان …وكلها أمور تنطفىء … ويمسي التمسك بها شبيها بالتمسك بهيكل عظمي يوشك على الزوال والذوبان..

وتبقى العين البشرية المجردة خادعة …ويرجع البصر دائما ، ولو بعد حين…خاسئا وهو حسير…

من فيلم شندلر ليست

http://www.youtube.com/watch?v=W74jGQ-CDTE

زمن أغبر

مزعجة هي المقارنات بين زمننا وأزمان مضت نصفها بأنها كانت أفضل وأجمل، لم نعش فيها ولم نقاسِ ما جرى فيها ورغم ذلك نجرؤ أن نقارن ونقرر ونتحسر على زمن جميل مضى..

ولدت هذه الفكرة في رأسي حين رأيت عددا من المواد تتعلق بإيران قبل وبعد الثورة، وكيف أن نساءها كن متحررات الأذرع والسيقان ويرتدين آخر ما تنتجه بيوت الأزياء في السبعينات والستينات قبل موجة الثورة الإسلامية..

الثورة الإسلامية قمعت النساء من جهة غطت أذرعهن وشعورهن ولفتهن بالشادور…ولكنها منحت فرصا لنساء الريف المحرومات من الاندماج في الفضاء المترف الذي تمتعت به نساء النخب المتعلمة والثرية في طهران والمدن الكبرى زمن الشاه…بينما حرمن هن من القراءة والكتابة وأبسط أبجديات الحياة المحترمة …

الثورة الإسلامية جلبت نسخة ذكورية صلفة من الفقه ، دغدغت بها مشاعر الأغلبيية البلهاء التي نزعم انها كانت تتمتع بفضاء ديمقراطي وتمارس حريات لاتمارسها الآن..

لو لم تكن الجموع بلهاء فلم اعتنقت نسخة الخميني وكفرت بنسخة علي شريعتي تلك التي كانت تقرأ الإسلام بنظرة معاصرة متمدنة؟؟

لم أغتيل علي شريعتي ولم كان اليساريون متهمون بالكفر والإلحاد وهم من رفع راية أخلاق الدين ضد طغيان الرأسمالية الممثلة بالشاه؟

الصور التي نرسمها من بعيد لمشهد سياسي ما في بلد ما تتكون من فسيفساء معقدة لانراها بعيننا المجردة ، لكن حين نسمح لأنفسنا أن نختزل هذا المشهد من بعيد بصورة صادمة بعثها الزمن، فهو خطأ لا نتورع عن الوقوع فيه…

مالئو الدنيا وشاغلو الناس

نحن في عصر السلبرتي، النجوم الذين يتكاثرون بشكل يوجع التسبد… نعم التسبد بنطقها النجدي الأثير ولن أخجل منها أو أعدلها..

توجد قنوات حول العالم بعدد شعر الرأس ، تستولد هذه الكائنات المسماة بالسلبرتيز، تنتقيهم وفقا لما يريد المشاهدون أن يكونوا عليه، يريدونهم جميلين فتصقلهم ، يريدونهم طبيعين فتختارهم مترهلين سمانا أو مليئي الوجوه بالبثور وتقويم الأسنان.. يريدونهم متدينين فتصنعهم كذلك..

هكذا يصبح المشاهد والمتلقي لأول مرة في التاريخ ربما، يصنع و_بفلوسه_ ما يريد أن يشاهده… وبعبارة ربما لايستلطفها الكثير وأنا منهم ، ما يريد أن يعبده ويتصنم أمامه..

أعني، ما الذي يجعل رجلا أو امرأة بالغين يتسمران إلى الشاشة بالساعات لمشاهدة عدد من البشر يتصرفون بتلقائية مفتعلة ، ويمارسون حياة تدار بقصص أكثرها غير واقعي، وتحتقن بتمثيل رديء مازال يستدعي اهتمام المتلقي (او سخريته)..؟؟

يمكن لهذين المتلقين أن يريا هذه السخافات حولهما ، ولكن المتلقي لايريد أن يفوت فرصة صناعة نجمه بيده.. وصاحب قناة الكيبل يعرف أن المتلقي مشتاق إلى نهاية القصة.. ويعرف كيف يدغدغ هذه الرغبة ويستثمرها ويكسب منها ملايين الدولارات والباوندات والريالات..

ويمكنه _أي المستثمر_ أن يخفف عقدة الذنب في قلب المتلقي الساذج بأن يعده بالتبرع بقليل من أموال التصويت لتلك الجمعية أو غيرها…

المهم أن تدور عجلة الاستهلاك المرير هذه، أن تظل الأفواه الاستهلاكية فاغرة أمام التلفزيونات، تمضغ وتتحدث وتشهق وتبكي وتضحك وفقا للسيناريوهات الرديئة التي تتابعها بمحض إرادتها..

والكل في النهاية يضحك ويصبح سعيدا، فالسلبرتي يتخرج من برنامجه مشهورا، والمستثمر يقبض الثمن وافرا، والمستهلكون يطفئون الأجهزة ويخلدون لنوم مضطرب يحلم بغد أكثر سعادة، وأكثر استهلاكا…

قروش آبل والبلهاء أمثالي!

قروش آبل والبلهاء أمثالي!
بقلم بدرية العبد الرحمن العبيد

نعم هكذا وصفنا كاتب مقالة الغارديان ، وكل من صدّق إشاعة أن سامسونج قد دفعت غرامتها المقررة بمليار دولار على شكل سنتات لآبل ، لم أصدق فقط، بل وأمضيت وقتا من وقتي الذي أقضيه في تقليب القنوات ومتابعة التايم لاين وغسيل المواعين في متابعة تحليل هذه الحركة الخبيثة الذكية الدنيئة المضحكة من سامسونج، لأفاجأ بي أتظاهر بأني أبو العرّيف أمام زوجي وأخبره عن القصة ليقول لي ببروده المعتاد وهو يخفض الشماسة أمام عينيه في ضجر : نفوها الغارديان..
وعدت وقرأت مقدمة مقالة كاتب الغارديان وهو يسخر من بلاهة من يصدقون كل شيء!

هنا

http://www.guardian.co.uk/technology/blog/2012/aug/29/apple-samsung-trucks-nickels-fake?newsfeed=true

_الذين يصدقون كل شيء:

وعينا كبشر حاجة غريبة، خصوصا ذلك الوعي الذي نشكله بحواسنا الخمس، وحينما تقدمت بنا الأزمان حتى زمن الإعلام الجديد أصبح تشكيل الوعي لدينا حاجة تشبه طباعنا النزقة خارج العالم الافتراضي..

فنحن في الواقع نجد أننا لم نعد نمشي بتؤدة، لم نعد نطبخ بتؤدة وتفنن، لم نعد نطيق أن نضع أوقاتنا في شيء سعيد، كله سريع سريع سريع ، وكأننا نلتهم اللحظات والدقائق التهاما ولا نسترخي داخلها..

طيب ، والمطلوب؟

أصبحنا نشكل الوعي بنفس الطريقة النزقة الملولة الاستهلاكية، يأتي شخص من ظرفاء تويتر ويلقي تعويذة فينشَدٍهُ الكل (من الانشداه والانذهال) ويقفزون في بطن الهاشتاق، سريع سريع سريع، وعي سريع، شبيه بالأكل السريع الذي نستهلكه ونقضمه بفظاظة.

ونحن نكتب بفظاظة على فكرة.. ونغرّد بفظاظة .. ونصدق كل ما يقال فيتشكل وعي، وأوعية..

حتى إذا ما انكشف أن ما صدقناه (نصبة) خجلنا قليلا ، تراجعنا، وعدنا لعادتنا القديمة، والعود أحمد..!

التصديق كفعل للعقل الاستهلاكي:

قالوا قديما حدث العاقل بما لايعقل فإن صدقك فلا عقل له، قائل هذا المثل لم يعاصر التفكيكية ولم يجرّب فكرة انهيار المعنى والسوريالية ، لم يعش ببساطة في عصرنا حيث يمكن للأضداد أن تجتمع، ويمكن لكل شيء أن يكون صحيحا داخل شاشة..

تكن هذه الشاشة تلفازا، شاشة لاب توب، أو حتى شاشة تشغيل بلاي ستيشن..

كل الأشياء اللاعاقلة تصبح معقولة داخل هذه الشاشات..

لكننا في النهاية لانعيش داخل الشاشات بل خارجها، ولذلك نأخذ قطعة من هذه العالم الشاشي إلى عالمنا الواقعي، ونقع في غلطات لا حدود لها..

أعني أنني أتذكر بداية استخدامي للبلاي ستيشن وانشغالي بلعبة ماريو ، وكيف كنت أتحدث بمنتهى الجدية مع أحد أبناء أخواتي عن طريقة حل إحدى المراحل:

“وتروح للماسورة وتدخل فيها، بتطلعك الماسورة على حديقة خضرا، ابتل امش امش امش فيها إلين توصل للبيت اللي … الخ الخ الخ”

كانت نظرات وجه أمي الهلعة تشي ليس باستنكار فقط، بل برعب كبير من أن تكون ابنتها قد فقدت عقلها..

_هذا حلم يا بنيتي ولا علم..

هكذا قالت الله يجزاها الجنة!!

هكذا نصبح نحن جيل الاستهلاك المفرط الفائق ضحية الشاشات، حتى لغتنا تصبح بلهاء وتصدق كل شيء لدرجة الخجل..

_شيء في اللغة:

يكتب لك أحدهم تغريدة بطريقة (انا جبت الذيب من ذيله) ، وإذا تناقلتها الأسماع والريتويتات فالكل يقف مبهورا أمام اللغة الباذخة التي كتبت به ..

من أنا ومن أنت حتى نكذّب تغريدة كتبت بهذه اللغة؟

نحن في الحقيقة نستهلك من النصوص والمعلومات الموجزة ب160 كميات رهيبة كل يوم..

الجديد الذي لانشعر به هو أن الصور التي تكتبها هذه التغريدات في أذهاننا (الموضوعات والمدلولات) هي نفسها، ربما لاتزيد كثيرا … لكنها لو دققنا ترسم نفس الصور وتؤكد عليها وكأنها ترسم بالرصاص مرة تلو الأخرى على ورقة بالية..

ربما وعينا يتضخم وينمو أفقيا كما تنمو أجسادنا المترهلة على الكنبات وأمام شاشات التلفزة في الشقق المسعورة الإيجارات..

يورث فرط الاستهلاك للنصوص هذا ترهلا فكريا ولغويا، بحيث تصبح أدنى تغريدة قابلة للرتوتة والتصديق..

_ شيء في الصورة / شيء في المنطق والعلم:

أذكر أنني جادلت أحد أساتذتي في مادة الصحافة عن الصورة ودورها في تأسيس الحقيقة الصحفية، وكيفية خداعها للمتلقي، بحيث يصبح المتلقي عبدا للصورة، وتصبح الصورة بالمقابل الوثيقة على الحقيقة الصحفية التي كانت سابقا حبيسة التصريح الصحفي وما يمليه هوى الكاتب والمراسل..

لقد فعلت الكاميرا بالتاريخ الشيء الكثير، فهي من وقفت على جرائم العنصرية في بداية القرن العشرين، وهي من وثقت كل الأشياء المحزنة التي فعلوها في الحربين وزمن الحرب الباردة ..

ولكننا وصلنا لزمن رأينا فيه سي إن إن تعرض صورة لجندي من جورجيا بجبيرة يرتديها فوق بنطلونه وهو يتلوى من الألم على أنه جريح أمام عدوان الجيش الروسي على جورجيا عام 2008..

ومرت الأيام ورأينا نفس القناة تعرض جنودا إسرائيليين مغطي الوجوه يرتدون جبائر ويطلقون أصوات أنين واضحة الافتعال في حادثة العدوان على السفينة فلوتيلا عام 2010..

هل كل هذا العبث وأمثاله الكثير قلل من شأن الكاميرا؟ الصورة في عقل المتلقي؟
الجواب هو : لا..

مازلنا أسرى الصورة.. مهما تكن مزيفة أو واضحة التزييف ..

حين قالوا لنا أن سامسونج دفعت لآبل نقودها على شكل سنتات لم يستغرق الأمر أكثر من صورتين لرجل يسكب بنسات طائلة، مع صورة لأرتال من الشاحنات قيل أنها حاملات سنتات..

لقد صدّقنا بسبب وجود صورة ، وكانت الصورة كافية لاستعباد وعينا وشلّ بقية حواسنا عن متابعة وقياس تلك القصة..
لم يكلف الكثيرون أنفسهم عناء عملية حسابية لوزن الخمس سنتات وقدرة الشاحنات على حمل كمية هائلة من السنتات كما كلف كاتب مقالة الغارديان الذي وصفنا بالأغبياء.. وربما لاتكون هذه هي المشكلة..

المشكلة هي أننا لم نكلف أنفسنا عناء التحقق من التفنيد الذي قام به كاتب مقالة الغارديان..
أي أننا في الحالتين عندما صدقنا، كنا مستهلكين للحقيقة ولسنا صانعين لها أو مؤسسين لوعينا الخاص..
وعندما كذبنا كنا أيضا مستهلكين لحقيقة وردت في مقالة كتبها رجل في الغارديان..

في كلا الحالتين تحولنا إلى (الرجل ذي البعد الواحد )، وكله بفضل سيطرة الصورة واللغة على عالمنا..
نحن عبيد الإعلام… لانصنع وعيا ولا نعي واقعا إلا ما يراد لنا أن نعيه..

_لماذا القول ماقالت الغارديان؟

لماذا حين قال زوجي : نفتها الغارديان..
شعرت بخجل كبير لم أكن لأشعر به لو كان قال : نفتها جريدة الرياض..

هل لأني أعرف أن الغارديان جريدة عريقة تملك خاصية الوصول إلى مصدر الخبر ما لايملكه الظريف الذي اختلق قصة الخمس سنتات؟
هل يعصمها مكانها الضخم كجريدة عريقة من الغرق في مستنقع التحيّز؟

ربما كانت الغارديان أكثر استقلالية من غيرها من الوسائط العالمية، وتبدو أخبارها وكأنها ناصعة بريئة من أوصام التحيّز والتصهين والتحزب..

ولكنها في النهاية وسيط مدفوع الثمن، وخبرها لا يكتب مجانا، ولا( توزع مجانا ولا تباع)..

لكن لأن الأعور في ديرة العميان ملك، فمن الطبيعي أن أشعر بالخجل الشديد حين وصفتني الغارديان _أنا وكل من صدق معي_ بالأغبياء الذين يصدقون كل شيء..

هذا الشعور بالخجل كان ليصبح فخرا لو وصفتني به إحدى الجرائد المحلية .. أقول ربما.

في النهاية نحن نصدق الخبر حين تقوله الغارديان، وننفيه حين تقوله جريدة أخرى أقل شأنا

نحن في النهاية نصدق الوسيط، ولا نكترث للحقيقة..

..
لا ندري في النهاية هل الحق أبلج فعلا؟ أم هناك شيء يجعله أكثر أو أقل  انبلاجا ؟

اللغة حين تصبح سلعة، الأسماء حين تتعدد لمعنى واحد…

اللغة حين تصبح سلعة.. الأسماء حين تتعدد لمعنى واحد..

بالغ بعض اللغويين العرب في نفي فكرة الترادف اللغوي، فهم يظنون _كما يظن الكثير وأنا منهم_ أن خلق اسمين أو علمين أو أكثر لمدلول عليه واحد هو عيب ووصم في اللغة، فكل زيادة هي لغو .. والعرب تضع اسما واحدا لكل معنى، وما سواه مما يسمى مرادفات هو صفات ..

نجد في عصرنا البعد حديث ، في عصر الاستهلاكية المفرطة والإنتاج المتجاوز للحدود (الماس برودكشن ) وفي ظل سعار السوق الحرة وقدرتها اللامحدودة على خلق الحاجة ومن ثم الإقناع الحثيث بوجود الحاجة عبر عدار الإعلام ذي الرؤوس المتعددة .. في هذا العصر الذي نعيش في قلبه الآن وحيث أصبح كل شيء قابلا للسلعنة وقابلا لأن يكون منتجا ، أصبحت اللغة، حتى اللغة غير محمية من لعبة البيع والشراء.. حتى اللغة أصبح بإمكانها أن تغذي وتدغدغ رغبة الناس في الجديد.. وإدمانهم اللا واعي لاستهلاك الأشياء، الأفكار، الأيديولوجيات، النصوص، الخ الخ الخ  ..

كنت أفكر طويلا في كيف يبدو نجوم المنابر الدعوية قادرين على إبهار الوعي السطحي لكثير من المتلقين ، الوعي الذي تجمعه طبلة وتفرقه عصا، الوعي العاجز عن إدراك المنطق الأخلاقي الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي للمجتمع، كيف يمكن أن تدغدغ وعيا استهلاكيا أنهكته وخدرته لعبة الاستهلاك القسري بهذا القدر؟ إلا بمزيد من الاستهلاك .

ألم يقولوا وداوها بالتي كانت هي الداء؟

أن ينبش أحدهم فكرة تقليدية قديمة من إحدى الكتب أو الأشرطة ويعيد ضخها  لوعي المتلقين وكأنها جديدة أو كأنها من خلق أفكاره ، هي ما أعنيه بلعبة الأسماء المتعددة لمدلول واحد ..

فقبل عقدين من الزمن، في زمن الحداثة وزحمة النخبوية الثقافية ، وحين كثرت الأيديولوجيات واستعصت على من يمسكون بعصا المنابر في هذه الأرض الحمئة ، أوجز أصحاب المنابر وصانعو الوعي الاجتماعي الشعبي الايدلوجيا بكلمة واحدة (الكفر ملة واحدة) …

وهكذا يصنع عصر الندرة والقحط الثقافي بالوعي والفكر،  إنه باختصار يشوي الصقور ويلتهمها بلا اهتمام .. يختصر الأيديولوجيا وكل نتاج أفكار البشر في جملة واحدة او شريط واحد او قصة واحدة..  أو يستخدم أوراق الكتب للتدفئة في زمهرير عظيم من زحام المنابر المرعب لترويع من يريدون أن يطلوا على العالم الخارجي من شقوق الأبواب..

اما ما يحصل الآن فمختلف جدا، فقد ولد عصر المول، وثقافته الكسولة المترهلة كأجساد أبنائنا أمام البلاي ستيشن، وجذب هذا الجمهور المشغول بعلاج ترهلاته وشحومه المختزنة إلى نفس الحلبة التقليدية قبل 20 سنة، لهو أمر ليس بهين، وما هو أسهل من أن تداويها بالتي كانت هي الداء، وأن تخلق لغة جديدة تكرر فيها نفس المعاني القديمة وتعيد تدويرها ، ربما ليس باللغة التي كانت تستخدم قبل عقود، ولكن عبر ابتكار لغة كاريكاتورية تستجدي ضحك الحاضرين وكراهيتهم لأنفسهم وحياتهم دون أن يعرفوا ما الخطأ. أو عندما يسوء الحال: أن يخطئوا في إدراك موطن الخطر ..

فصنّاع الوعي الشعبي بكل وظائفهم لا يحذرون من الاستهلاك المفرط ولا من التبذير ولا من التجارة غير العادلة ولا من الأخطار التي تتهدد البيئة بسبب  الاستهلاك المتزايد للطاقة، ولا يشنّون حملة لمحاربة النمط البغيض من الحياة الذي يجعل الترفيه الغالي ضرورة ولس ترفا، ولا يحذر من العواقب الصحية للحياة المريضة  التي تحارب النشاط والمشي والتواصل الاجتماعي الطبيعي، ولكن يعنيهم جدا ظهور وجه المرأة مكشوفا أو تكرر خروجها من المنزل، حتى لو كان هذا المنزل شقة لا تتجاوز 100 متر ولا مكان فيها للحركة أو الحياة الطبيعية ..

وهكذا تعود الحرب على الأشياء الصغيرة  كالقصات الغربية وملابس المراهقين وعباءات النساء وووو لأنها حلقة المجتمع الأضعف، وهي الحلبة الوحيدة التي يمكن أن يمارس المواطن عليها قدرته المسلوبة على التغيير والهيمنة ، وباعتبار هذه  الموضوعات هي  الأكثر أمانا لإثرائها من داخل المجتمع بكل الوحدات اللغوية التي تتلاعب بالمعاني لتقلب الحق باطلا والباطل حقا ..

فالمواطنة التي لا تملك حق تقرير المصير ولا تستطيع الاستفادة من الخدمات الحكومية إلا بإذن الولي تسلب حقوقها تكريما وتشريفا لها، بينما أي محاولة لتسهيل حياتها أو جعلها مساوية للمواطن في حقوق الاكتساب والتنقل والأمور الشخصية هي محاولة لسلبها كرامتها وعفتها وخداعها باسم التحرير ..

وقس عليها ما شئت من أعاجيب لغوية وبهلوانيات قصصية طارت بصيتها شبكات التواصل الاجتماعي ، وأصبحت عجلة قمار أكثر سرعة وأكثر قدرة على تخدير المستهلكين _المواطنين أكثر وأكثر… حتى لتكاد تتساءل عن الوعي الموجود داخل هذه الرؤوس البئيسة  العابسة التي تتجه إلى عملها  حرّانة عرقة كل صباح ..

_الملاّس حين يصبح أنتل للتلفزيون:

أتذكر مقالة طريفة موغلة في الطرافة للأخ محمد الهويريني حول القدرة العجيبة للسعوديين لاستخدام الأشياء في غير ما صنعت له ، وضرب لذلك مثلا باستخدام الملاس ليكون (أنتل  للتلفزيون ) ، وها نحن نرى الخلق السعودي الأثير يعاد في حقل الفكر…

فالقصص التي ترويها الأنثويات والنسويات الغربيات لمحاربة اضطهاد الذكورية الرأسمالية واستغلالها للمرأة كموضوع جنسي، تستخدم هذه القصص في كتب أبو ريالين للدلالة على سقوط الغرب وصعود الإسلام وتكريم المرأة في بلادنا، وكأن المرأة لم يتم استغلالها وتصويرها كموضوع جنسي محض في المحاضرات والندوات والنشرات، وكأن المرأة السعودية لم ترتكس إلى واقع بئيس من الاستغلال عبر شرعنة أشكال استغلالية – جنسوية  محضة من الزواج والعلاقات بين الجنسين.. وكله نتاج للاستهلاكية الذكورية  المشابهة للذكورية الرأسمالية الغربية.

ونرى اجترار أطروحات مفكرين كبار كتشومسكي ضد الديمقراطية بشكلها الأمريكي النفعي، لتكون دلالة على سقوط المنطق الديمقراطي من الأصل، وأن الشريعة بشكلها السعودي الأثير هي ما يمكنه أن يكون حلا للعالم الموحل كله .

إنه وعي أبو ريالين.. وفكر مصنوع في الصين.. لانحن الذين تخلصنا منه ولا نحن الذين استفدنا منه..

وهكذا تدور عجلة المقامرة على الموضوعات التي يتم تصويرها على أنها الأكثر أهمية في مجتمعنا، وتقع الكرة على المربعات السوداء والحمراء في الدائرة الأكثر صغرا والأقل حجما والأكثر أهمية. وهي التي في الحقيقة ما يراه الناس، وما تقع عليه حجر النرد وما يعني الناس أولا وأخيرا..

فالتشقير وحكمه، وحدود العورة ، وشكل العباءة الأنسب، وما يمكن كشفه في حال الضرورة من الوجه ، تظل هي الموضوعات الأكثر دغدغة لمشاعر المتلقين المنقوعين بالاستهلاكية والتفاصيل الصغيرة ، أما اللوحة الكبرى التي يمتسخ فيها المواطنون إلى قطعان وادعة تثغو على بعضها البعض في حين يفكر الراعي ضجرا بحجم اللحم والصوف والحليب الذي ينتظره من تسمين هذه القطعان الذاهلة.  فهي لوحة لا تدركها الخرفان، لا ولا يدركها حتى الراعي..

إنها لوحة لا يراها أحد …

من زكاها، ومن دساها..

إن جوهر الدين قائم على جهد كبير يبذله المتدين للتغلب على غرائزيته ومايفرضه عليه السائد،ولما كان هذا منهكا عوض عنه بصورة بديلة للتدين يصبح فيها الامتناع عن السهل-لاالصعب- كافيا، ويصبح الجدال حول المختلف فيه _لا المجمع عليه_ مثارا للإعجاب، ويصبح اقتراف الحرام العقلي هينا، بينما اقتراف الحرام الاجتماعي جريمة لاتغتفر..

ستاركي في المنزل الريفي

مقالة قديمة كتبتها  في أحداث شغب لندن عام 2011

ونشرت في جسد الثقافة

http://aljsad.com/forum37/thread3712999/

ستاركي في المنزل الريفي…


ديفيد ستاركي في هذ اللقاء مع بي بي سي، يتكلم بلا حياء كإنجليزي غيور على ثقافة بلاده التي أثر عليها السودـ لدرجة أن البيض تصرفوا كما يتصرف السود:

http://www.bbc.co.uk/news/uk-14513517

p.s: شاهت الوجوه…

عندما يطلق أحدهم تعميما ما على فئة ما، فهو في حقيقته يعبر عن شخصه، وعن قدرته في استشفاف الصورة الكاملة ووصفها، أو اختزالها في زاوية محددة وخنقها…

وفي الحالتين، نظرتنا للعالم من حولنا، تعكس حقيقة أنفسنا..
تعكس معرفتنا وتواضعنا، أو تعكس إفلاسنا واستكبارنا عن الاعتراف بجهالتنا وعجزنا عن عمل (update) لأنفسنا…كما هو مفترض أن يكون …

عندما يعلن شخص العداء على فئة ما على أساسات عرقية-لونية- مناطقية- جنسية- طبقية- أو حتى معرفية، فإنه بإعلانه العداء يمارس اختزالا لعقله ، واختزالا لقدراته في اكتشاف المناطق المجهولة في تلك الفئة التي يعاديها…

ديفيد ستاركي لم يرهق نفسه بمحاولة اكتشاف عالم السود الذين يعاديهم ويصمهم بأنهم السبب في انحطاط الثقافة البريطانية، بل آثر أن ينكفىء على نفسه في كوخه الريفي الإنغليزي وبيده قدح شايه العتيق، وبسكوت الدايجتسف المنزلي ليمنح نفسه حق إطلاق التعميمات البليدة حول حادث شغب لم يشارك فيه ولم يره إلا عبر شاشات التلفزيون…

من الذي منح ديفيد ستاركي حق وصف السود وإطلاق تعميمة بلهاء على الثقافة ؟؟
الذي منحه إياها : لونه الأبيض، لهجته الإنغليزية العميقة التي يظن أنها بداية العالم ومنشأ الكون والثقافة والحضارة …

لأن ديفيد ستاركي يرى نفسه حجر الأساس ، حجر الزاوية، السبيتش كورنر، الأول والآخر، لذلك فهو وحده من يقدر على تحليل الموقف وإعطاء تبرير منطقي لما حصل…

أما الصحفية السوداء دريدا ميتشل ، التي تنغمس يوميا في ممارسة الثقافة البريطانية التعددية ، تذهب إلى المدارس وتتحدث إلى الأطفال من كل الألوان والأعراق والأديان ، تقابل العصابات في الشوارع وتتحدث إلى البلطجية بلغتهم، وتحثهم على فعل الخيرات وترك المنكرات…فهي في النهاية ليست أكثر من طفيلي على عالم البيض المتحضر…

حتى إن لهجتها الفصيحة المبينة إنما هي لهجة (بيضاء) لا تمت لإنغليزية السود الركيكة بصلة…كما يقول لها ستاركي في انفضاح قبيح لدمل السطحية في النظر، السطحية في التفكير، السطحية في الحكم…

الصحفي الأبيض أوين جونز، وهو يتحدث بلهجة الشباب الهجينة باختصاراتها الخفيفة وقدرتها على إيصال المعنى دون التواء ….هو مثال حي قائم ليصفع ديفيد ستاركي، ويسخر من بلاهة معتقده ويسخرمن سطحية تبريره لما حصل…
فأوين هو شخص جيد، صحفي مثابر، مؤمن بفكرة التعددية، يدين الأفكار العنصرية، ويتحدث باللهجة الشبابية الكاونتر ، التي يراها ستاركي السبب في انفجار الشغب …

وهو في النهاية، يفقه في الثقافة أكثر مما يفقه ستاركي، ويحترم متحدثه الذي يبربد بأفكار عنصرية قديمة بالية مقيتة وتثير الأعصاب، أكثر مما يحترم ستاركي، ويتحدث وهو شاب في بحر عشريناته، أفضل مما يتحدث ستاركي…

حين لا تعرف، ولا تملك أن تطارد المعرفة، فابق ساكتا ولا تخدعنّك النظرة الأولى…

واعلم أن الزمن الذي أتى بك ونثر على وجهك قطرات وجودك، سوف يمشي فوقك ويتخطأك، ويغيّر كل ما حولك وإن رغمت عيناك..

وسيعبر هذا الزمن متجها إلى غيرك، في الوقت الذي تقبع فيه في زاويتك المحشوّة بك، تتناول نفسك كل دقيقة، وتظن أنك ركن الكون، وحجر الزاوية، وأن كل شيء يبدأ بك، وأن العالم ينتهي عندك…

يوم الغضب ، يوم الدوام، وحلم المواطن الذي لن يتحقق

 

يوم الغضب، يوم الدوام، وحلم المواطن الذي لن يتحقق..

الرياض

أول يوم دوام،  وأنت تنزلق باتجاه الدائري الشمالي، يخيل إليك أن هناك نيزكا يتجه إلى الأرض وأن أكوام السيارات المشلولة التي يحاول بعضها الإفلات من بعض قد أصيبت بموجة مغنطيسية_ من تلك التي نراها في أفلام الخيال العلمي_ قد عطلت محركاتها وجعلتها تتحرك بسرعة صفر و10 بدلا من السرعة المسموحة، وربما يخيل إليك أن المواطنين المحبوسين في تلك العربات سيخرجون في أي لحظة متدافعين للنجاة بأرواحهم. أي والله!

المرور في أول يوم من الدوام في الرياض هو قصة طويلة أجزم أنها حكيت ونسجت وملأت أناتها صفحات الصحف وأركان المجالس وشاشات البلاك بيري وكراسي المكاتب المتعبة في الدوائر الحكومية. ولا أظن أن هناك شيئا مرعبا حاضرا في ذاكرة سكان الرياض مثل منظر الجسور الممتلئة بأرتال السيارات والشاحنات وأصوات الأبواق الصارخة تشق عنان السماء في انتظار فرج قريب..

ما الذي يدور في ذهن أي مواطن محتجز في زحمة الدائري في أول يوم دوام؟ حين يكفي أن ترتطم سيارتان ببعضهما ارتطاما خفيفا لا يتجاوز (طخة) على الصدام لكي تنقلب القصة إلى هولوكست، تصطف فيه عربات تحبس داخلها موظفين متململين قتلهم الزهق، وموظفات خائفات من الخط الأحمر، وأطفال صامتون تترنح رؤوسهم الصغيرة مع كل نتعة للسيارة أو لفّة عنيفة باتجاه هذه الفتحة أو تلك.

أظن أن عقل كل مواطن محبوس في الزحام سيزدحم في تلك اللحظة بقصص درامية، واقتراحات سوف ترفع إلى المسؤولين، وشكاوى من تخلف السائقين والشعب وفشل المرور في إدارة هذه الحاجة القاهرة المسماة (زحمة)، والأكيد الأكيد أن عقل المواطن سوف يزدحم لحظتها بأحلام، ولا أجمل من الأحلام يقضى بها وقت الانتظار الخانق البغيض:

أعني أحلاما من هذا النوع:

ماذا لو تحقق الحلم وأصبح بإمكان أي سيارتين تصادمتا أن يتحركا إلى ملاذ على جانب الطريق انتظارا لسيارة المرور بدلا من سد بلاعيم الطرق والجسور وتعريض حياة المواطنين الآخرين للخطر؟

ماذا لو تحقق الحلم وتوفرت للمواطن سبل السلامة أثناء العبور والمشي مثل الجسور وخطوط المشاة وإشارات المشاة، بحيث لا يكون المشي وقطع الشارع ضربا من الانتحار وبحيث تعود ظاهرة الذهاب للدوامات والمدارس مشيا أمرا واقعا وليس ضربا من قصص الخيال العلمي أو الفانتازيا.؟

ماذا لو تحقق الحلم وأصبحت كاميرات المراقبة والضبط تركب على مسافات معقولة تضمن التقاط صور واضحة للحوادث أو المخالفات؟

ماذا سيحصل لو تحقق الحلم وتم اعتماد مشاريع نقل جماعي منظم تنقل المواطنين والمواطنات من نقاط تجمع رئيسية، عبر خطوط خدمة تعتمد لها خرائط؟

ماذا لو تحقق الحلم وقام المسؤول _ أي مسؤول_ بتشجيع المواطنين على استخدام المواصلات العامة التي أتيحت له وبسعر معقول ومستوى جيد؟

بل لحظة واحدة، ماذا لو تحقق الحلم وألزم المسؤول _ أي مسؤول_ كل الدوائر الحكومية والمؤسسات الأكاديمية والمستشفيات باستخدام وسائل المواصلات العامة؟

ماذا لو تحقق الحلم وتم التخطيط لهذا الحلم بشكل جيد، وأصبحت وسائل المواصلات العامة تمشي بالساعة والنصف ساعة مراعية تقاليد البلد واعتباراته الاجتماعية الكثيرة؟

ماذا لو أصبح موظفو كل دائرة حكومية وموظفات كل مستشفى وطالبات كل جامعة يستقلون الحافلات الكبيرة بعد نهاية دوامهم من نقطة التجمع الموجودة في مؤسستهم، ليتم تفويجهم وخدمتهم عبر نقاط انتظار تكون قريبة من منازلهم؟

ماذا لو استغنى 20 مواطنا ومواطنة فقط من أصل 100 عن استخدام سياراتهم الخاصة للوصول إلى العمل في أوقات الذروة؟

ماذا لو كان هؤلاء العشرون مواطنا ومواطنة من مستخدمي السيارات الصغيرة فقط؟ ألن يحدث نقصان عشرين سيارة من أصل كل مائة فارقا في مستوى المرور في الرياض؟

هذا لو تجاهلنا حقيقة أن عدد المواطنين مستخدمي السيارات الكبيرة والفانات يبلغ نسبة كبيرة من عدد السيارات المستخدمة في أوقات الدوام.

ماذا لو تحقق الحلم وتم منع سيارات الأجرة من الدوجان والتضييق على خلق الله من أجل التقاط الركاب بشكل عشوائي، وأتيحت بالمقابل خدمة طلب خدمة السيارة بالهاتف وعبر نظام شمولي ينتظم فيه كل سائقي سيارات الليموزين سواء كانوا يعملون لحسابهم الخاص أو لحساب شركات.؟ 

لا أظن أن هذه الأحلام البسيطة السهلة لم تمر على ملايين الرؤوس الطفشانة المهتزة داخل السيارات، ولكن أظن أن أحدا لم يأخذ مسألة النقل الجماعي الداخلي بعين الجدية، ولم يأخذ مسألة تلوث هواء  المدينة بعوادم السيارات (التي لا أظنها تقل عن المليون سيارة) بعين الجدية، ولا أظن أن أحدا تعنيه معاناة مئات المواطنات مع عقدة (تدبير سائق) في بداية كل موسم دوامي.

ذلك أن الأحلام تتبخر حين تفتح الإشارة وتتحرك السيارات وتتعالى أصوات الأبواق.

وفي النهاية، ومادام الموظفون يصلون إلى دواماتهم، والأطفال إلى مدارسهم، فلتركن المعاناة اليومية إلى الغد أو بعد غد، فأهل الرياض هم أقدر الناس على النسيان والانشراح وفل الحجاج بعد الأزمات وجرعات الازدحام والطفش، وأهل الرياض المفعمة بالمولات والفعاليات والمناسبات هم أقدر الناس على فش غليلهم والترويح عن أنفسهم والنوم بلا وجع قلب في نهاية اليوم.

وسيظل الحلم حلما لن يتحقق إلا أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.  

إجهاض

إجهاض

بدرية العبد الرحمن

Image

 

ذاكرتي يا من ترنّحت بكل الهرمونات التي تتكدس وتتدفق في هذه العروق…

مرة أخرى تنخرين وتتراجعين وكأنكِ تعلنين الخزي والخيبة في فشلي الثاني..

هل أنا ألومكِ؟ ألوم نفسي؟ ألوم أي أحد؟

لا لست ألوم أحدا والله…ويعلم الله وحده كم رضيت…

بل كم امتننت وبكيت شكرا له سبحانه أن كانت أقداري لطيفة لا ألم فيها سوى كيّة مفاجأة توقف نبض الجنين ..

لكن ما سر هذا الشعور بالخزي..؟

مالذي يجعلني أسير بين الناس، أخبرهم بفشلي الثاني ثم أندم وأتوقف كل مرة أرى فيها تعابير الصدمة على وجوه الآخرين…

 وكأنني مسؤولة عن تعابير الحزن والشفقة التي تتمعر بها وجوههم حالما أخيب ظنونهم واخبرهم بحقيقة ما جرى لي..

هل علي أن أكون مذنبة لأشعر بالخزي؟ لا أدري..

***

ذاكرتي تؤلمني…

عروق في أسفل جمجمتي تؤلم، تماما كألم الإجهاض الماضي.

من المهم أن تؤلمكِ ذاكرتك بعد إجهاض …من المهم أن تغيب في مساحات أرشيفاتك الكبيرة صفحات كثيرة..

ربما تفرغين أدراج خزاناتك لمزيد من الملابس الجديدة..

وذاكرتي تفرغ أدراجها لمزيد من القصص والأيام القادمة…

لكن ذاكرتي رغم أنها تؤلمني ، وعروقي رغم أنها مكتظة بالنسيان والفوضى، رغم ذلك لم يفلحا في انتزاع شعور الخزي من عقلي ..

لا أريد الحديث عن ذلك لو سمحتم..

***

عدتُ من عملي ولم أصل الظهر بعد..

متأكدة أني لبست ملابس المنزل وخلعت ملابس العمل..

متأكدة أني غسلت قدمي للصلاة، وأتذكر ملابسي ترشح بالوضوء..

متأكدة أني وضعت الغداء على الفرن وخفضت الحرارة ..

متأكدة أني جلست على حاسوبي..

لكني لست متأكدة أني صليت الظهر..

هل صليت؟

كم هو بائس شعور امرأة تمضي من وقتها الكثير لتتذكر جدول رحلة دقائقها، وهل كان في أجندتها صلاة أم لا..

***

بعد تجربة الموت…يتلهف كل شيء فيّ للحياة …

أتلهّف لأن أكون جميلة …ذكية …رشيقة..

أتلهّف ..وكان الإنسان أكثر شيء جدلا…

***

مهم جدا أن تتوجع بقدر كافٍ بعد أي إصابة ..

لكن دقائق انتظار الشفاء مهما كانت قصيرة إلا أنها تطول … تبقى فيها ساكنا لا تتحرك فتطول…

كل إنسان بعد إصابته هو شرنقة …

أنا شرنقة..

أنتظر وقتي ووقت استواء أجنحتي حتى أطير…

ربما يطول انتظاري ولكن غدا سيأتي بإذن الله…

في كل ما مررت به تعلمت أن أكون شكورة وأن أنحر الألم …نحرا..بلا رحمة …

من قال أن الأمل وهم ومن قال أن إيماننا ذاك الذي يزداد وينقص لا يمكنه أن يفعل شيئا..

من قال أن هالاتنا الجميلة من النور لا تستطيع أن تحجب عنا آلام الحياة وتخفف عنا وجعها..

من قال أن حياتنا مرة؟؟

من قال أن غدا لن يأتي؟؟

الرياض-24 ابريل 2012Image

 

 

 

مين قال السعودي دلّوع

مين قال السعودي دلّوع؟

بدرية العبد الرحمن – الرياض

 

في ضحى يوم من الشعرى يذوب لعابه، أفاعيه في رمضائه تتململ.. كنت أتململ أمام مكيف السيارة وأحدق باستغراب في شاب سعودي نحيل يبيع البطيخ على جانب الطريق.

أيقنت وأنا أخجل من نفسي أن هذا الشاب الفخور الذي نصب وجهه للشمس والرزق بلا ستر ولا مظلة إلا شماغ معكوف على رأسه هو بلا ريب أحد أحفاد أحفاد الشنفرى الأزدي، وكل الرجال الكبار الذين أنجبتهم صحراؤنا وأرضعتهم شمسنا التي تربض من هولها الفصال.

لا أظن أن أحدا من هؤلاء الشباب الفخورين بحاجة لإطرائي ولا لتصفيقي، فهم يطرون أنفسهم بكفاحهم واحتراقهم تحت الشمس كل ساعة من اليوم. ولكنني هنا لأسأل إن كان هذا الشاب السعودي- أصلا وفصلا- يصنّف ضمن من يصفهم أرباب العمل بقلة الكفاءة والدلع ورفض العمل، حين يحين وقت الحديث عن السعودة!

يوصم السعودي قبل أن يجرّب ، وينتقد قبل أن يدرّب، ويحكم عليه بالإقصاء من القطاع الخاص بحكم أنه لا يريد أقل من الأجر المتوسط (الذي فرضته له وزارة العمل)، مثلما أن السعودي عامل غير مرغوب فيه بوصفه كسولا ملولا لا يريد العمل ويكثر الاستئذان ، وإلى غيرها من حجج رأس المال الجبان النهم الشرس الذي لم تروضه قوانين ولم تردعه انتقادات.

 

 

ولأجل عيون رأس المال الجبان النهم المتلمظ، تضخ في أرضنا طوابير من العمالة قليلة الخبرة بعيدة الثقافة غريبة الوجه واللسان ، بعشوائية تجعلنا نتساءل عن مستقبل العمل والعامل والتركيبة الأثنوغرافية في بلادنا !

ستظل هذه التساؤلات حبيسة ألسنتنا وأقلامنا لأنه وكما يبدو ، لا نية لطرح مسألة الاستقدام العشوائي والطوفان العمالي المتدفق إلى أراضينا على صاحب القرار.

إن التدفق العشوائي للعامل الأجنبي بطبيعة الحال سيقلل فرص العامل السعودي في القطاع الخاص، ليس فقط فرص حصوله على العمل ولكن سيقلل فرص محافظته على حقوقه التي فرضتها له وزارة العمل، وتجارب الدول الأخرى تنذرنا بنفس النتائج الوخيمة، حيث أفسدت طوفانات العمال المهاجرين الباحثين عن لقمة العيش والراضين بأقل الأجور ، الحد الأدنى من الأجور والحقوق التي لم يحصل عليها العمال المواطنون إلا بانتفاضات وإضرابات وشق الأنفس.

دعونا نعد لصديقنا بائع البطيخ السعودي، فلا أظن أن هذا الرجل الكبير الفخور بحاجة إلى وظيفة مكتبية يترّهل فوق كرسيّها، ولا أظنه بحاجة إلى رب عمل يأمره وينهاه ويخصم من راتبه ويطالبه بالعمل فوق ساعات عمله ويكتبه تعهّدا بان لا يطالب بأجر الساعات الإضافية.

لكنني أظن أن هذا الرجل الفخور الذي تطارده البلدية والأمانة وتقلق مضجعه (باعتباره يمارس عملا غير مرخّص) بحاجة إلى أن يعترف موظف البلدية (أو الأمانة) بحاجته إليه، وأن موظف البلدية (أو الأمانة) هو مستهلك لا يستغني عن بائع البطيخ ولا عن بطيخه ولا عن وقفته في العين الحمئة من أجل حفنة ريالات كريمة.

ألم يحن الوقت لتقوم أمانة الرياض ووزارة العمل بدعم هؤلاء الشباب الفخورين وتوفير ظروف عمل مناسبة لهم؟

والأمر لن يحتاج مليارات ولا ملايين من الريالات لنقول لهؤلاء الشباب الكبار أننا نحترمهم ونحبهم ولا نستغني عنهم.

وإلى أن تقرأ وزارة العمل والأمانة كلامي ، أقرا تحية إكبار واعتزاز بكل شاب سعودي كادح اختار العمل على الكسل، وأثبت بفعله لا بقوله أن السعودي لم يخلق ليمارس الكسل والدلع.

 

 

 

***

مع خالص التحية والتقدير للأخ يوسف البشري مصدر الصورة …

اصبري واحتسبي

اصبري واحتسبي

يا امرأة قلبك مثل السماء

يا امرأة لستِ كأحد من النساء

يا ابنة بلدي..

الجرح جرحي وجرحك …

الجلد الممزق بالمفك على صفحات الجرائد جلدي وجلدك..

ولحمك المسحول تحت إطارات السيارة في الحاير هو لحمي ولحمك..

ورأسكِ المغدور بالساطور في جيزان، رأسي ورأسكِ..

وقلبك المطعون في وادي الدواسر، قلبي وقلبك..

عليك صلاة الله ورحمته أينما كنتِ…

يا ابنة بلدي..

**

واصبري واحتسبي..

لا قوة يبنيها إنسان مثل الصبر..

بها تواجهين أشباه البشر…

أشباه الأنظمة..

أشباه المجتمعات..

أشباه العقول..

أشباه القضاة..

هل هناك صخرة تتحطم عليها كل هذه الأشياء مجتمعة مثل قلبكِ الصبور؟

***

تملكين قلبا شجاعا…يهزهم ويرعبهم صموده…

فيبدؤون بضربك بالمفكّات…

وحين يرعبهم صمتكِ…يطعنونك بالسكاكين..

وربما أرعبهم صمود وجهك الطهور فتفننوا في سحلك تحت عجلات السيارات..

حين يعلمون أنك ثرية..يفكرون بسكين يدسونها على هون في أحشائك…ليدسوك غيلة تحت التراب …

يظنون أن ثروتكِ في حساب بنكي…

وحين يكتشفون أن ثروتك هي في قلب مكدود مليء بالصبر والإيمان…ورأس شامخ شاخص للسماء…

يجزعون ويرتعبون أكثر وأكثر..

أشباه البشر…

فلا تركني إليهم فتمسكِ النار..

***

اصبري واحتسبي…

مهما قالوا أنكِ تستحقين ما يجري لكِ…

مهما قالوا أنك هشة وضعيفة…مكنونة أو مصونة…ناقصة أو شبه مجنونة…

مهما عايروا عقلكِ …واستنفروا لغاتهم التي عجزت عن الصراع مع الطغاة…ليصرعوا كرامتكِ…

في النهاية…

هم من يخطئ…ليس أنتِ..

وهم من يبخل…وهم من يتحرش…وهم من يعتدي…والله لا يحب المعتدين..

***

حين أعجزهم صبر جلدك أمام المفك وتحت العجلات والسواطير والعقال …قذفوكِ..

نعم…هذا ما يجيدونه..

هذا أكثر ما يقدرون عليه..

هم ضحية مجتمع صنعهم ليكونوا هكذا…

ضعفاء خائفين…مشرذمين مشتتين لا يقدرون على التفكير قبل القول…

فيقولون قولا عظيما…

ويذهبون إلى جحيم التاريخ…

***

خائفون…نعم هم يخافون….

هكذا هم حين يخافون من قوتكِ وصبركِ ، يبدؤون برميكِ ورجمكِ كما تفعل القرود المشردة المليئة بالقمل حين ترتعب..

كثير منهم يشبهون القردة كثيرا…كثيرا جدا…

***

اصبري واحتسبي يا امرأة في بلادي..

فالمشوار طويل…

بطول صحرائنا العظيمة ..

بحرارة شمسها اللاهبة في عز الصيف…وبرودة زمهريرها القاتل في الشتاء..

من تصمد في صحراء كهذه دون أن تفقد شيئا من جمالها وبريق عينيها وسواد شعرها …

لهي امرأة من السماء…

لهي امرأة من السعودية..

لهي أنتِ…لهي أنا..

لهي فاطمة الشهري..

لهي شهيدة الحاير

لهي شهيدة وادي الدواسر..

لهي شهيدة جيزان..

لهي كل امرأة في بلادي …

تبتسم وتضحك رغم مستنقع الألم الذي ترتمس فيه…

لأن الله تعالى…وليس البشر…

وحده من يعلم قدر النور في قلبها..قدر الحب والصبر والإيمان في كيانها…

وحده الرحمن الرحيم ..

http://www.youtube.com/watch?v=RIcRtM33sAo

**

الربيع العربي وانعكاساته على الفضاء العام السعودي

هذه ورقة تساؤلات في الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي، ورقة عمل بالأحرى تقدمت بها للملتقى السعودي السادس لجمعية الإعلام والاتصال …

الورقة مرفقة وفيها ما قد يفيد ويسر ويمتع البعض…

قراءة ممتعة…

 

 

 

 

الربيع العربي وانعكاساته على الفضاء العام السعودي

 

 تساؤلات في الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي

 

 

 

 

 

بقلم بدرية عبد العزيز عبد الرحمن العبيد

معيدة في قسم الإعلام –كلية الآداب- جامعة الملك سعود

دبلوم عالي من جامعة شرق لندن –تخصص صحافة ومجتمع

School of Media and Humanities- UEL

 

11-11-2011

 

 

 

 

الربيع العربي وانعكاساته على الفضاء العام السعودي

 تساؤلات في الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي

مدخل :

يتسبب التساؤل عن الوعي السياسي في تداعيات وأسئلة كثيرة منها ما هو فلسفي يتساءل عن طبيعة الوعي، ومنها ما هو اجتماعي يتساءل في ذات الوعي نفسه، وفي كل الأحوال، فإن العقد الماضي وأحداثه أحدثت منعطفات هائلة في تفكير الفرد العربي عموما والسعودي على وجه الخصوص، ويمنح زحام هذه المنعطفات مساحة كبيرة للتساؤل عن إشكاليات تتعرض لها مفاهيم:

 الوعي السياسي –الإعلام- الحقيقة الإعلامية- الفضاء العام .

حيث تبدو لنا أزمة الفكر العربي-السعودي عموما أزمة تعريفات.

كما تمنحنا هذه التحولات فرصة للتأمل في طبيعة تطور الوعي السياسي لدى الفرد العربي عموما ، وكيف تماهى هذا التطور مع تطور طبيعة الاتصال الشبكي، والانتقال من مرحلة ويب 1.0 إلى مرحلة ويب 2.0 ..

سوف أنطلق في هذه المقالة من خلال عدد من الأسئلة /

هل الوعي السياسي الانترنتي في السعودية معزول عن سياقه في الفضاء الحقيقي؟ ام العكس هو امتداد للسياق السياسي العام؟

هل العزلة السايبرية (في العالم الافتراضي) تعني حالة فصام عن الواقع؟ أم هي ناتجة من الواقع وإصراره على الفصام وتجاهل العالم الافتراضي؟

هل يمارس الوعي السياسي داخل الإعلام الجديد ريزومية (حالة بداوة وارتحال)؟ أم ينزع إلى اتخاذ شكل تقليدي يتفرع فيه الوعي من جذور ملموسة وقديمة؟

لابد أن أتطرق في هذه التساؤلات إلى السياقات التاريخية التي تشكل فيها الوعي، بالإضافة إلى السياقات التقنية التي عايشها المتلقي السعودي في العقد الماضي، وما أحدثته من نقلة (مفترضة) في الوعي السياسي، أو ربما لم تحدث أي شيء.

وعي السعوديين السياسي في عصر الصحافة ، الثمانينات والتسعينات والعصر الذهبي للجهاد:

أي قارئ للتاريخ السعودي يكاد يجزم بأن نقطة التحول الأكبر في المجتمع السعودي الحديث تكاد تكون حادثة الهجوم على الحرم المكي في بداية الألفية الهجرية الجديدة، وما بني عليه الهجوم من حشد نبوئي –عاطفي أسطوري، نقل النبوءة إلى مستوى الواقع ، ونقل المتلقي السعودي في بداية الثمانينات، إلى مستوى عيش النبوءة ورؤية الغيبي رأي العين. وما تلا تلك الحادثة هو ما يهمنا، وهو انبعاث المرجعيات الكامنة في الثقافة الإسلامية على حساب الثقافة السعودية التي كانت في تلك اللحظة في مرحلة حرجة من النشوء، سواء على مستوى التعليم والأكاديميا، أو على مستوى التغيير الاجتماعي والحراك السياسي الذي بلغ ذروته في عهد الملك فيصل رحمه الله (الخازم،2010)

عندما نستحضر تلك اللحظة بالذات ، وليس ما قبلها أو بعدها، فذلك لأننا نستحضر معها وسائل الإعلام التي سجلتها، والأحداث العالمية التي تزامنت معها ، وعلى الأخص ثورة الخميني وسقوط شاه إيران ونجاح الثورة الإسلامية الشيعية التي كان من المناسب أن تسمّى بثورة الكاسيتات (إدوارد سعيد، 1996) ، وما حصل في السعودية بعد حركة جهيمان العتيبي _الذي قاد الهجوم على الحرم المكي_ كان صعود خطاب إسلامي جديد وفريد من نوعه، ليس هو الخطاب الإخواني الذي انتشر في البلدان العربية بعد الحقبة الناصرية، ولا هو الخطاب السلفي التقليدي الذي تبنته الدولة السعودية منذ نشوئها. ما تكوّن لدينا في مرحلة الثمانينات كان خطابا حركيا ذا طابع ثوري شبابي، يستمد وجوده من النزعة الشبابية الجماهيرية، ويستقي مواضيعه من واقع الجهاد الأفغاني الذي استقطب شبيبة العالم الإسلامي من المنتمين للحركات الإسلامية. ويعتمد في انتشاره على قنوات أرخص سعرا وأقل نخبوية، بل وأسهل إنتاجا حين يستلزم الأمر، وبهذه الصفات أعني : شريط الكاسيت، والمنشور.

من المهم أن نشير إلى أن الخطاب الصحوي في وقته عانى من إشكاليات داخلية تعود إلى أسباب ديموغرافية – فكرية في مجملها، فأحداث حماة في بداية الثمانينات وما تلاها من نزوح ناشطي الإخوان المسلمين إلى المملكة العربية السعودية، جلب إشكالاته الفكرية الحركية معه، كما ألقى بظلاله العاطفية على وجوده في المنفى، لتظهر هذه السمات مجتمعة على الخطاب الصحوي السعودي ، سواء على مستوى اللغة أو مستوى الموضوع، بل وحتى على مستوى الصحافة. وعندما حصل الصدام الحتمي بين ما هو علمي-أصولي وَبين ما هو حركي –سياسي في حقل الحركة الإسلامية ، انتهى ذلك الوضع إلى تشكّل تيارات فكرية داخل التيار الصحوي واضحة المعالم بشكل أو بآخر. (المشوح، 2011)

لم تكن الإمكانات الصحفية التي توفّر عليها الخطاب الصحوي في الثمانينات ترقى إلى مستوى الاحترافية _إلا عندما نستنثني تجربة مجلتي العصر والمجتمع الكويتية_ لكن قلة الاحترافية تلك هي التي جلبت الانتشار للتيار الصحوي، وجلبت مواضيعه وسمات خطابه إلى المجتمع لتتحدث بلغته، وتنطق عن قضاياه ، وتخبره بشراكته ومسؤوليته في تكوين الفضاء العام. وهذه هي السمة التي افتقدتها الوسائط الرسمية من الصحيفة إلى التلفزيون إلى الإذاعة، إذ استمر غياب المتلقي عن تشكيل بصمته في المادة الإعلامية إلى وقت متأخر من نهاية التسعينات.

إن وجود وتوفّر مادة معرفية –خبرية في متناول اليد، تستخدم لغة شبابية عاطفية  مختلفة تماما عن اللغة السلفية وَ اللغة الإعلامية النخبوية، بالإضافة إلى أنها تمتح وجودها من نفس الخلفية الثقافية التي يعتز بها المجتمع السعودي وهي (الإسلام) وتستمد مواضيعها من المجتمع نفسه، وتعالج قضاياه الأكثر دقة والأكثر إغراقا في التفاصيل، كل هذه العوامل جعلت الخطاب الصحوي يصعد بسرعة هائلة  ويتحول من موجة لا يعار لها انتباه إلى واحد من أهم الخطابات المهيمنة على المجتمع السعودي في الثمانينات والتسعينات.

وأقول الخطابات(المهيمنة)، لأن الخطاب الصحوي وإن كان يستمد مواضيعه من اهتمامات المتلقي العامة العادية اليومية، ويصل إليه مباشرة عبر الشريط والنشرة وعبر الدرس المدرسي والخطبة في المسجد، إلا أن المتلقي في ذلك الوقت لم يغادر موقعه في المسرح كمتلقي، ولم يساهم بأي طريقة في تكوين المحتوى، ولم يكن له دور سوى التلقي والترداد والنشر (وتبليغ الكلمة) .

وهي السمة التي تأتي من طبيعة النشر الكاسيتي، فالمادة الصوتية في الكاسيت تنسخ بطرائق بدائية وتوزع مجانا، وأحيانا يتمكن الشخص من الحصول على نسخة رديئة الجودة بمسجله المنزلي العادي، وهو الأمر الذي ينطبق على الخطاب الصحوي وطريقة انتشاره ومستوى جودته. بالإضافة إلى اللازمات الصوتية -النفسية التي ترافق الصوت المنسوخ ، حيث لم يعد سرا أن الكل في مرحلة الثمانينات ، أصبح يتحدث بصوت واحد، وفي بعض الأحيان، بنغمة تشبه أو تطابق نغمة المتحدث في الشريط.

على أن كل هذا كان بالنسبة للمتلقي السعودي في مرحلة الثمانينات يعتبر نقلة هائلة في مستوى الوعي السياسي، فالوعي السياسي والاجتماعي وأي تدخل في تشكيل الفضاء العام لم يكن متاحا للكل قبل الثمانينات، ولم يكن متاحا للفرد أن يتحول إلى رسول لنشر الكلمة قبل مرحلة الصحوة، ولم يكن متاحا للفرد أن يكون جزءا من اللوحة التي يديرها النخبة، قبل مرحلة الصحوة.

فالمتلقي في تلك المرحلة أتيح له أن يتحول إلى (نسخة) من شريط الكاسيت، وكان هذا بحد ذاته نقلة في مستوى مشاركة الفرد في الفضاء العام.

والفضاء العام بمفهومه الهايبرماسي لم يكن متشكل الملامح في المجتمع السعودي رغم ان أقدم جريدة صدرت في المملكة تعود إلى بدايات العشرينات الميلادية، ولكن الفضاء العام السعودي لم يكن ليتشكّل بصورة مثالية أو حتى قريب منها عندما نأخذ بعين الاعتبار أن عدد المتعلمين والقادرين على قراءة الجريدة وفهم ما يذاع في الراديو، فضلا عن المشاركة في تشكيل الرأي، كان قليلا بشكل ملحوظ.

حرب الخليج الثانية ونقطة التحول الجديدة:

جاءت حرب الخليج الثانية لتحدث النقلة الأعنف في تاريخ المجتمع السعودي، في تاريخ حركة الصحوة، وفي تاريخ المتلقي السعودي. فالجيل الذي كان يعاصر حرب لبنان ومن ثم حرب العراق وإيران وحادثة العدوان في الحرم المكي عام 1987 ومن ثم  صعود اللغة الطائفية-العقدية في تحليل الأحداث ، أصبح هذا المتلقي وجها لوجه أمام الحرب، رأي العين، وأصبح تحليله السياسي- ذو اللغة الطائفية العقدية الصرفة- غير قادر على استيعاب الكارثة التي تهددت حياته المباشرة وحياة عائلته. بالإضافة إلى إن الإعلام التقليدي الحكومي لم يكن كافيا لتبديد حيرته وخيبة أمله ، والفوضى النفسية التي أحدثتها مشاهد العدوان العراقي على الكويت. والشحن النفسي الكبير ضد العدوان العراقي والذي أدارته الوسائط التقليدية المتاحة ، كل هذا أحدث فجوة معرفية-إخبارية كبيرة في المتلقي السعودي أمام الأحداث، وكان أن خلقت هذه الفجوة مجالات كبيرة وكثيرة لظهور تحليلات مستبعدة كنظرية المؤامرة والحزب الثالث، مثلما وجد الخطاب الصحوي في تلك الفجوة المعرفية فرصة نادرة لا تتكرر للصعود وإثبات الوجود.

إن حالة الفوضى واللغط المترتبة على حالة الغياب (الفجوة الإخبارية) تركت مجالا واسعا لأشكال متعددة من قوالب نشر الوعي (الشائعة-النكتة-القصيدة – المثل السائر) لتأخذ دورها في صناعة الوعي لدى المتلقي وسد الفجوة. وجاءت أحداث صغيرة لتحدث هزّات اجتماعية أثارت رعب المجتمع السعودي الذي كان في لحظتها يواجه رعب الحرب المنظّمة التي يواجهها لأول مرة ، من ضمنها مظاهرة السيدات المطالبات بالسماح للنساء بقيادة السيارات عام 1990 .

كانت مواجهة المجتمع للمظاهرة النسوية وتسميتها بـ(الفتنة) هي أول ورقة تناولها الخطاب الصحوي واستخدمها لتسلّم دفة قيادة الوعي الاجتماعي في المملكة منذ تلك اللحظة. لأن الخطاب الصحوي في تلك اللحظة وظّف الرعب الاجتماعي من حالة الفتنة مستخدما أدواتٍ المجتمع نفسه (لغته_مخاوفه_إيماناته) . وأمكن للخطاب الصحوي أن يشكّل في المخيلة الجمعية للسعوديين تيارا آخرا تصدر منه الفتنة ويتحدى السائد ويتحدى الدين وإرادة المجتمع، وكان من سوء حظ ذلك التيار أنه يتحدث بلغة نخبوية متعالية (سميت في وقتها بالحداثية) ويملك أسباب الوصول إلى الوسائط الرسمية، وبالتالي، أصبحت الوسائط الرسمية منذ تلك اللحظة ملكا للتيار المتخيّل في المخيلة الصحوية، وأصبح الصحوي يتقمص دور اليساري / المهمّش/ الضحية/ والذي ينتج وعيا جمعيا يشبه إلى حد كبير ما نسميه الآن بـ(الإعلام البديل- الحقيقة الصحفية البديلة) .

المرأة –التغيير، مجتمع التسعينات:

رغم كل التغييرات التي ازدحمت بها فترة حرب الخليج، إلا أن أبرز قضيتين اعتمد عليهما التيار الصحوي (الذي شكّل الفضاء العام لتلك الحقبة) كانتا قضية الوجود الأمريكي في الجزيرة العربية، وهو الأمر الذي ترتب عليه تكوين منظمة القاعدة . (المشوّح، 2011)

والقضية الثانية هي قضية قيادة المرأة للسيارة، وهي المطالبة التي أصبحت بسببها المرأة السعودية أكبر موضوع دارت عليه إنتاجات الفضاء العام في فترة الصحوة. وربما لا نملك إحصاءات دقيقة توضح لنا نسبة النشرات والكتيبات والكتب والأشرطة التي أصدرت لمناقشة مواضيع تتعلق بالمرأة السعودية في مقابل مواضيع أخرى اجتماعية لم تجد الاهتمام المماثل. ولكن يمكننا تخيل حجم هذه الاحصاءات واستحضارها لمن عاش في تلك الفترة وعاصر كثافة المادة المعرفية التي اتخذت من موضوع المرأة محورا لها. وهو الأمر الذي تنامى وتفاقم إلى نتائج وخيمة على مستوى حقوق المرأة وتطور مسيرتها في المجالات التنموية.

إن التغيير الذي تجلبه الحرب هو أمر غير مرحب به، وأن يطال هذا التغيير الموضوع الأكثر حساسية في الوعي الاجتماعي (المرأة ) هو أمر فوق المعقول. ولذلك استيقظت في الخطاب الصحوي في تلك المرحلة عناصر ثقافية كامنة كان يفترض أن يكون المجتمع قد بدأ في تجاوزها (مثل النزعة الذكورية) واستمرت تلك النزعة لتكون مصدر حياة وانتشارية الخطاب الصحوي، ليس فقط بسبب أنها تعزف على الوتر الأكثر حساسية في الذات السعودية، بل لأنها شكّلت حزمة متماسكة ومتصلة من التصورات والرؤى حول موضوع المرأة والتغيير الاجتماعي. وذلك بسبب كثرة الإثراء والحشو الخطابي الأفقي بالصور المتخيلة، والربط بالخلفية الثقافية بتأويلات قد لاتكون واقعية أكثر الأحيان.

 (المحمود، 2011 ) .

القاعدة ، اللاعب الجديد، والحادي عشر من سبتمبر 2001:

الجديد الذي أتت به التسعينات زيادة على ماكان في الثمانينات من صعود النبرة الجهادية واشتراك كثير من الشبيبة السعوديين في الحرب في أفغانستان، كان الجديد هو تشكل تنظيم القاعدة بشكل رسمي عام 1992 ، وإعلانه الجهاد على الوجود الأمريكي في العالم كله وعلى رأسه، الوجود في الخليج العربي.

وهذا الموضوع الشائك ألقى بظلاله على الفضاء العام السعودي، وتسبب في اضطرابه بلا ريب، فالمجتمع السعودي شهد عصر الثمانينات الجهادي، وأرسل أبناءه لمعسكرات التدريب في أفغانستان مطمئنا ومستندا إلى خطاب ديني يدعم هذا الفعل بالفتوى والتبرير والتغطية الإعلامية التي تكفّل بها الخطاب الصحوي. ولكن الشيء الذي لم يستوعبه المجتمع هو تشكّل تنظيم تصطدم رؤاه مع رؤية الحكومة السعودية التي تعتبر الأكثر سلفية وإسلامية في العالم كله، زيادة على أنها تصطدم مع رؤى هيئة كبار العلماء بخصوص الوجود الأمريكي في الخليج. كل هذا جعل المتلقي السعودي يبحث عن حزب ثالث أو رؤية ثالثة ليستمد منها الموقف الأكثر مقاربة بخصوص رؤى تنظيم القاعدة. وكان أن انتصرت القاعدة فكريا في بداية التسعينات، ليس فقط على مستوى التأصيل الأكثر تطرفا وخطورة، بل حتى على مستوى الإمساس بالتابوهات وما لم تتناوله الوسائط الإعلامية الرسمية، كما نجح على مستوى الوصول إلى وعي المتلقي السعودي وتشكيكه في الحقيقة الإعلامية التي يتلقاها على الوسائط الرسمية، والتي يديرها وحسب الخطاب الصحوي (العلمانيون أعداء الدين). (المشوح، 2011)

وعند تلك النقطة، استخدمت القاعدة السلاح الفكري الأكثر صرامة في تحديد المواقف السياسية والوعي السياسي : التكفير.

نحن الآن مازلنا في بداية التسعينات، وهنا يمكننا أن نلمس كيف أمكن للخطاب القاعدي (الذي اتخذ من الصحوة بيئة خصبة لتنمية وترويج أفكاره)  أن يجذب انتشاريته مرة أخرى عبر احترام المتلقي السعودي، وعبر مخاطبته بأدبياته ولغته التي يحبها ويفهمها، وعبر إشراكه في الهم الأممي، البديل عن الهم  الوطني الذي كان محتكرا من قبل النخبة.

  فاللغة الجريئة التي تحدثها القاعديون كانت لغة حربية، صدامية، تكفيرية حاسمة ، وشبابية، وكانت ذكوريتها مرة ، وقبائليتها مرة ، وطائفيتها مرة أخرى ، تستمد من العناصر الثقافية الموجودة سلفا في عقل المتلقي السعودي، وهو الأمر الذي أوجد قبولا كبيرا لاحدود له، بالإضافة إلى الفراغ الذي تركته وسائط الإعلام الرسمية وعدم قدرتها على مجاراة اللغة الشبابية الحداثية التي اعتنقها القاعديون. ووصل الأمر إلى عدم الثقة بالوسائط السعودية في منتصف التسعينات، وإلى أن أصبحت منتهية الصلاحية ولا معنى لها. في الوقت الذي  اكتسبت الموجة التكفيرية قبول المجتمع الشبابي بطرقها المبتكرة، وتداولها الخفي عبر التهريب _الشبيه بتداول وتهريب مناشير اليساريين الثوريين في بدايات القرن العشرين_ وهو ما وسّع دائرة إقبال المتلقين لدرجة النهم والفضول.

كل هذه الخصائص (الشبابية-الإمساس بالعناصر الثقافية الموجودة في الفكر الاجتماعي السعودي- اللغة الصدامية الحسمية العدمية)  جعل محللين كثيرين يتوقفون عند القاعدة وعند جوهرها الذي يبدو ظاهريا وكأنه أكثر أصولية-سلفية، بينما تنطوي وسائل انتشاره وترويجه على حداثة لا يمكن تجاهلها، فالقاعدة لم تمارس الحداثة على مستوى التكنيك التنظيمي فحسب، بل إنها كانت أسبق في توظيف واستخدام كل التقنيات الاتصالية الحديثة من أجل ترويج خطاباتها وأدبياتها حتى من كثير من الحكومات الأكثر تطورا في العالم. (Gray, 2003 )

وعندما ضربت الطائرتان برجي التجارة العالمية في 11-9-2001، لم تكن القاعدة تلعب بشكل عشوائي، فمشهد سقوط البرجين الرمزي والدلالات الكبيرة التي حملتها صورة الهجوم الإرهابي على قلب العولمة ، كلها تدل على نضج واعٍ أو لا واعٍ في لعبة تنظيم القاعدة، (Budriar, 2001).

 وكانت الدلالات الضخمة التي حملها الحدث الذي لم يستغرق أكثر من ساعتين كافية لأن تجعل الوعي السياسي في عقل المتلقي السعودي في حالة تشنج وعجز عن استيعاب الحدث، ودخلت في تأويل الحدث نظريات كثيرة سيطرت على الوعي السياسي السعودي، مما يجعل حالة الفوضى والارتباك تلك أيضا نصرا خطابيا من انتصارات القاعدة.

نهاية التسعينات الميلادية ونشوء الإنترنت العربية والإنترنت السعودية:

استغرق الأمر وقتا غير قصير لتصبح الشبكة العالمية في متناول العرب ، وكان ارتفاع سعر الخدمة أول سبب في ندرة مستخدميها في مرحلة التسعينات، وحين نؤرخ لدخول الإنترنت إلى المملكة العربية السعودية تحديدا فإننا لا نذهب أبعد من عام 1994 حينما سمح للمؤسسات التعليمية والبحثية بالحصول على الخدمة، ومن ثم دخلت خدمة الإنترنت بموجب قرار وزاري عام 1997 لتصبح في متناول المتلقين عام 1999  إذا استقصينا غاية الاستقصاء. إلا أن ارتفاع سعر الخدمة وقلة المحتوى في نهاية التسعينات وبداية الألفية مقارنة بالوقت الحالي لم يمنع عدد مستخدمي الإنترنت السعوديين من التزايد بشكل متسارع من 200 ألف مستخدم في العام 2000 إلى 2.54 مليون عام 2005، بل إن الخطاب الاجتماعي –الديني الذي ألقى على الإنترنت ظلال الشك كالعادة لم يفلح في ثني المستخدمين عن التزايد وتشكيل وعيهم على الشبكة. (إنترنت السعودية، 2011)

كان  نشاط الفكر القاعدي قد وصل إلى ذروته في تلك المرحلة عبر تكوين المواقع والشبكات الأكثر نشاطا في تاريخ الإنترنت السعودية (الساحات العربية التابعة لشبكة فارس نت، وموقع سحاب الذي تطور فيما بعد ليصبح شبكة السحاب السلفية). (المشوّح، 2011)

ويب  1.0 ، ولادة اليوزر وظهور العزلة السايبرية:

تزامن نضج مرحلة الويب 1.0 مع حادثة الحادي عشر من سبتمبر ، وهي النقطة التي انعطفت عندها الإنترنت العربية عموما والإنترنت السعودية خصوصا منعطفها الأكبر. فقد وظّفت شبكة الإنترنت من قبل الجهات التي تقود وتنظم الخطابات السياسية المختلفة في السعودية، وذلك بغرض الوصول إلى أكبر قاعدة من المتلقين السعوديين، وهو ما جعل لوحة الوعي السياسي لحظة الحادي عشر من سبتمبر أشبه بمفهوم (الفوضى الخلاّقة Creative Chaos  ) .

ربما تكون أهم معالم مرحلة الويب 1.0 (2001 – 2005)  هي / المنتديات – اليوزر – الهوتميل –مواقع الرفع والتحميل المجانية- والبالتوك (رغم إن البالتوك مازال يستخدم الآن ولكن ليس كما كان عليه في ويب 1.0). (Calcutt, 2007)

 بالإضافة إلى المواقع الرسمية، ولكن هذا المحتوى لم يكن ثريا بالشكل الكافي الذي يمكن أن يتشكل منه وعي سياسي منظم، بالإضافة إلى عزلة هذا المحتوى عن الفضاء العام الذي كانت تديره –وإلى تلك المرحلة- وسائط الإعلام التقليدية الرسمية.

وبالنظر إلى ما تمنحه طبيعة العالم الافتراضي من إمكانية التخلص من رواسب الهوية والارتباطات المتعلقة بها ، سواء تكن تلك الهوية عرقية أو دينية أو جنسية، كان من السهل أن تتشكل ثقافية سايبرية ذات سمات خاصة تتناول فيه موضوعات لا تتداول عادة في الوسائط المتاحة، وبسبب عنف وفوضوية العالم الافتراضي في بداية تشكّله، كان من السهل أن نلحظ مع مرور الوقت تكوّن (عزلة) أو (وحشة) ما بين اليوزر ومابين المحتوى الذي ينشره، وما بين اليوزر ومابين الواقع المعاش الذي مازال يبدو امتدادا للوعي السياسي في مرحلة الثمانينات والتسعينات. (Calcutt, 1999)

كما كان من السهل والمفهوم أن يستخدم اليوزر اللغة العنيفة الفوضوية في أثناء تشكّل وعيه السياسي-الثقافي، فالمجتمع في تلك اللحظة كان يدين الإنترنت واليوزر بصفته مصدرا مجهولا للنص أو للحقيقة، وفي نفس الوقت، كان اليوزر هو أحد أفراد المجتمع ، إن لم يكن كل أفراد المجتمع يوزرا بطريقة أو بأخرى.

شكّلت منتديات الساحات (التابعة لشبكة فارس نت) أبرز معالم مرحلة الويب 1.0 ، حيث أسست عام 1998 تابعة لشبكة فارس نت، والسبب في ذلك أن عضوية الساحات كانت تعني الوصول لأكبر قاعدة مستخدمين في الخليج ، وبالتحديد، أكبر قاعدة مستخدمين ينتمون لآيديولوجيا معينة تظهر عليها وتجمعها ملامح اجتماعية مشتركة كالنزعة المناطقية المحافظة والقبائلية والذكورية. ونظرا لما كانت يعنيه امتلاك اسم مستخدم في الساحات ، فقد كان اسم المستخدم يباع في تلك الفترة بمبالغ قد لا تقل عن ألفي ريال.

وفي مقابل الساحات التي وجدت فيها (حركة القاعدة)  بيئة خصبة لترويج خطاباتها ووعيها السياسي الذي يستمد أدواته من نفس الخطاب السياسي التكفيري السائد في التسعينات، ولدت في مقابلها منتديات تبنت رؤى ذات جذور محلية ، منها ما هو قبائلي ومنها ما هو ثقافي وطني مثل منتديات جسد الثقافة التي أسسها الإعلامي السعودي تركي الدخيل عام 2001.

ما هو الشيء الجديد في ويب 1.0 :

يمكن للمراقب أن يلحظ تطور اللغة الحوارية ومستوى الوعي السياسي لدى اليوزر في فترة زمنية قصيرة، والفضل في هذا التطور يعود إلى خاصية التفاعلية التي ولدت في مرحلة ويب 1.0 ،  وتطورت في المراحل التقنية التي تلتها . باستثناء أن المنتديات تمنح اليوزر الحرية في إثراء المحتوى (خاصية اللامحدودية) بالإضافة إلى عدم تقيد اليوزر بسؤالات الهوية الشخصية والانتماءات ، مما يجعل علاقة المحتوى بالمؤلف غير مهمة، ومما يجعل المتلقي –القارئ أكثر حرية في تأويل المحتوى وأكثر قدرة على إدارة وعيه بناء على المحتوى.

ظهرت في مرحلة الويب 1.0 ظاهرة الريزومية*، وهي الظاهرة التي يصبح بها الوعي الجمعي السياسي أكثر قدرة على توليد نفسه أفقيا وباستخدام نفس أدواته، فاليوزر لم يعد مهما (رغم شهرة يوزرات ذات إنتاج جيد في تلك المرحلة) ولا حتى المحتوى، بل كان الأهم في تلك المرحلة هو (الخطاب) . فالخطاب ورغم كونه يستمد جذوره من نفس العناصر الفكرية الثقافية التي وجدت في التسعينات، إلا أن معالم جديدة وتغييرات بدأت في الظهور على خطابات العالم الافتراضي، وذلك بسبب كثافة حضور اليوزر وغزارة الإنتاج، أي أن الخطاب أصبح يولد نفسه بنفسه بصورة مختلفة مرة وبصورة متشابهة مرة، وبطرق تتراوح بين التقليدية إلى المبتكرة، وظهرت أشكال جديدة من الصراع الفكري وطرق أخرى للمناورات بين الخطابات الأكثر وضوحا أكثر من الحوار المباشر والمناظرات التي لم تعد تعني القارئ كثيرا.

ظهرت اللغة الساخرة (Satire) والكوميديا السوداء كطريقة مبتكرة وجديدة لإدارة الصراع بين الخطابات التي كانت تسيطر على الفضاء العام. وقد ارتبطت حقبة المنتديات بظهور لغة جديدة ذات مصطلحات مبتكرة هي التي كانت تستخدم بين التيارات في العالم الافتراضي.

بقي أن نذكّر أن هناك عاملين إحداهما أثر بشكل سلبي على نمو ويب 1.0 ، والآخر بشكل إيجابي..

أما العامل ذو الأثر السلبي فهو صعوبة إرفاق وتحميل الصورة والملف الصوتي وملفات الفيديو مع القصة الصحفية أو مع الموضوع ، ناهيك عن بطء مستوى الاتصال في تلك المرحلة، حيث كانت خدمة الإنترنت في السعودية معتمدة على الاتصال بالخط الهاتفي الأرضي (دايل أب)، ولم تتح إنترنت أكثر سرعة وأرخص للمستخدم السعودي إلا في بداية 2004، حيث كانت مرحلة ويب 1.0 في نهايتها.

أما العامل ذو الأثر الإيجابي في نمو بيئة ويب 1.0 فهو جدّة وكثافة عملية التفاعلية والتي أدت بصورة ملحوظة إلى تقارب وتلاقح ملحوظ بين اليوزرات موضوعا ولغة، كما إن الخطاب السياسي في تلك المرحلة أصبح يتشكل وينضج  ويأخذ معالمه بشكل واضح ليصل إلى مرحلة التماسك.

كان هناك إثراء للمحتوى يحصل في موقع البالتوك، حيث أوجدت كثير من التيارات الاجتماعية لنفسها مكانا من أجل مزيد من الإثراء والنمو داخل التيارات نفسها.

________________

* الريزومية/ الريزوم: مصطلح اقترحه الناقدان جيل دولوز وفيليكس غواتاري معبّرين به عن رفضهما للكتابة الكلاسيكية الشجرية التي يتفرع فيها النص من الكاتب عبر موضوع واحد كالشجرة المتماسكة، بينما الريزوم الكتابي هو حالة توليد متسلسلة للنص والمعنى عبر مواضيع غير محدودة وفي اتجاهات غير محددة، وليس بالضرورة أن تخرج من مؤلف واحد، وقد استوحى هذا المصطلح من طريقة تكاثر محاصيل مثل البطاطس، التي يكفي فيها زرع برعم يحتوي على خلية واحدة من المحصول لتتكاثر وتنمو. للاستزادة انظر كتاب / ألف هضبة، للمؤلفين دولوز وغواتاري.

ويب 2.0 ومرحلة النضج ، المدوّنة وأخواتها:

كانت ولادة فكرة التدوين قديمة إلى حد ما، بل ربما أقدم من الإنترنت نفسها، حيث كانت خاصية إتاحة النشر وإدارته بيد الأفراد أو المجموعات الصغيرة متاحة في منتصف الثمانينات وإلى بداية التسعينات، وإلى اللحظة التي ولدت فيها الشبكة العالمية في بداية التسعينات كانت المدوّنات _كمفهوم للنشر_ موجودة بشكل محدود حتى اللحظة التي اشترت فيها غوغل فكرة المدوّنة وأتاحتها مجانا لملايين المستخدمين حول العالم من بداية 2002 (ويكبيديا، 2011) ومنذ تلك اللحظة يمكننا أن نقول أن مرحلة ويب 2.0 قد بدأت. وأن أهم وأول معالمها كانت / المدوّنة.

كفكرة، لم تبد المدوّنة أكثر من ملاذ آمن للكاتب المستقل، ولكنها فيما بعد أصبحت مصدرا للنشر المستقل والتغطية الإخبارية المنفردة، وحصل ذلك حينما ولد اليوتوب ولقي انتشاره الواسع بفكرة التحميل الفوري والسريع والمجاني، وهنا، أصبحت المدوّنة تقوم بدور الصحفي البديل، بالاستعانة بالأدلة المرئية والمسموعة التي تمنحها وسائل التسجيل الخفيفة المتاحة لكل الأفراد (كاميرات الجوال هي أهمها) ، ويمكن أن يقال أن تلك المرحلة شهدت ولادة مفاهيم ثورية في عالم الصحافة مثل مفهوم (الصحافة الجديدة) و(الإعلام البديل) بما تعنيه هذه المفاهيم من أبعاد تمس التكنيك الصحفي أو تمس التوجه السياسي للوسيط .

ورغم أن المدوّنة لم تبد في البداية مختلفة عن فكرة الموقع الشخصي ولم تنافس المواقع الإخبارية المحترفة في تنظيمها وطريقة نشرها، لكنها ورغم ذلك وجدت انتشارا هائلا لدى المتلقي حول العالم لعدة أسباب/

  • مجّانية الخدمة، حيث أتيح إنشاء وإدارة المدوّنة من قبل مواقع كبرى تأتي غوغل ووورد برس على رأسها.

  • سهولة إدارة المدوّنة وإنشائها.

  • نضج تجربة اليوزر، حيث وجدت الكثير من اليوزرات في نفسها القدرة على الإنتاج الكثيف الناضج على خط واضح.  وهذا واضح جدا في تجربة التدوين العربي عموما، والمصري والخليجي خصوصا.

  •  الاستقلالية الفكرية التي يعنيها وجود المدوّنة (المكان الآمن أو الحصن الحصين للكاتب)، وبالتالي أصبح من غير النادر أن توجد مدوّنات تتناول من التابوهات ما لا تسمح المنتديات بتناوله أو نقاشه. وربما كان هذا هو أبرز سبب حيث كان المدوِّن ولا زال مظنّة قول ما لايقال ونشر ما لا تنشره الصحف والوسائط الرسمية. (مثل قصة التحرش الجماعي الذي حصل بعد صلاة عيد الفطر في القاهرة وتكتّمت عليه وسائل الإعلام). كما أوقعت هذه الجرأة كثيرا من المدوّنين رهن مساءلة السلطات والاعتقال حول العالم. وحجبت كثير من المدوّنات الخارجة عن بيت الطاعة في كثير من الدول.

  • حقوق الملكية الفكرية، حيث لجأ كثير من الكتّاب والكاتبات إلى المدوّنة لحفظ حقوقهم الفكرية في مواضيعهم وإنتاجاتهم خصوصا الأدبي والمقالي منها، وهو الأمر الذي جعل كثيرا من المدوّنين يعتمد مدوّنته كمصدر رسمي لمقالاته أو إنتاجاته.

وفي فترة مبكرة من عمر التجربة التدوينية السعودية، أطلق الفيسبوك عام 2004 ، ولم يستغرق الأمر طويلا حتى تعرّف الفيسبوك على مستخدم الإنترنت السعودي ، وبعدها بسنة واحدة عام 2005 أطلق يوتيوب، وبعدها بسنة قادمة عام 2006 أطلق التويتر. لتصبح تلك القفزات النوعية في عالم الشبكة العالمية ثلاث علامات بارزة على الحقبة الاتصالية التالية من ويب ، وهي ويب 2.0.

أظهرت ويب 2.0 نضج اليوزر السعودي وقدرته على إدارة الفضاء العام على الأقل في العالم الافتراضي، أي أنه في تلك الحقبة أصبحت التيارات الفكرية التي تدير الفضاء العام السعودي أكثر وضوحا للمتلقي قبل الكاتب. كما أنه وقد أصبحت فكرة الشبكية والتواصلية الاجتماعية هي محور تلك الحقبة (بعكس عزلة ويب 1.0 وانفصالها الواضح عن المجتمع) ، وهذه السمة في ويب 2.0 جعلت اليوزر يخرج بوجهه إلى المجتمع، ويفرض تجربته العميقة التي بناها في عزلته الافتراضية على المجتمع الواقعي الحقيقي.

اليوزر في ويب2.0 يخرج بوجهه وصورته واسمه الذي قد يكون حقيقيا، كما ويتواصل بشكل مستمر ومتدفق مع العالم الحقيقي ، وهذه الكثافة في الحضور جعلت العالم الواقعي ينزل إلى ويب 2.0 بدلا من أن تصعد هي إليه.

في هذه المرحلة كانت الصحافة الإلكترونية قد بلغت أشدّها واتخذت كثير من المطبوعات والوسائط المرئية والمسموعة وجودا واضحا لها على الشبكة ، ووظفت معطيات ويب 2.0 لتحقيق أهدافها المؤسسية. لكن دخول المؤسسة الرسمية إلى العالم الافتراضي لم يخلع عنها صفة الرسمية، ولم يقلل من شأن الصحافة الجديدة (تكنيكا ومحتوى) في عقل المتلقّي.

فالمتلقي السعودي مازال لا يثق بوسائطه الإعلامية الرسمية ولا يعتبر أنها وصلت للحد الكافي من الشفافية الذي يجعله يعتبرها المصدر الأكثر جودة للحقيقة الصحفية.

الشيء الجديد الذي تزامن مع فترة ويب 2.0 هو ولادة تيار صحفي داخل الإنترنت السعودية نفسها، أي أنه في وقت مبكر من عمر ويب 2.0 وجدنا أنفسنا في مواجهة صحف تحرر وتنشر داخل الإنترنت نفسها ، وتطلق على نفسها مسمى الصحيفة الإلكترونية، ولا مكان لها خارج الإنترنت.

وإلقاء نظرة على الصحف الإلكترونية الأكثر انتشارا في عالم الإنترنت السعودية (سبق_الوئام_راصد_صوت الإخدود_صوت المرأة السعودية_لجينيات_موقع نور الإسلام) يمكنه أن يمنحنا انطباعا عما آل إليه الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي.

فكل واحدة من هذه الصحف تنتهج تكنيكا صحفيا في إدارة المحتوى يغلب عليه الانحياز لأفكار المؤسسين للصحيفة والقائمين عليها، فنرى لغة صحوية واضحة في سبق، ولغة قبلية واضحة في الوئام، ولغة مظلومية الطائفة واضحة في راصد ، وهكذا.

وقد أثرت هذه الانحيازية على صياغة الحقيقة الصحفية في أمثلة عدة ، من ضمنها القصة الجنائية التي سميت بقصة فتاة القطيف عام 2007، التي أجريتُ عليها دراسة قضية في وقتها وخلصتُ إلى نتيجة أن القصة رويت بتفاصيل في صحيفة إلكترونية تتناقض تماما مع روايتها في صحيفة أخرى تماما، وكيف أن الاتجاه الأيديولوجي للصحف الإلكترونية أثر على صياغة القصة بدرجة لا تختلف عن الانحيازية التي نراها في الوسائط الإعلامية الرسمية  The Mainstream Mediums  في قصص مشابهة. وهو الأمر الذي اختلفت فيه الصحف الإلكترونية عن الصحف الرسمية المطبوعة التي بدت أكثر حيادا وموضوعية في إدارة محتوى القصة، ناهيك عن الالتزام بالتكنيك الصحفي والاحترافية التي انعدمت تقريبا في الصحف الإلكترونية، حيث اختلط ما هو وجهة نظر Opinion بما هو قصة صحفية News story –  وما هو تحليل محتوى Content Analysis  بما هو حقائق وأدلّة  Facts and Evidences داخل سياق القصة. (Alobaid,2007)

كما يتراوح أداء ونشاط هذه الصحف بين التحديث اليومي للأخبار على مدار الساعة وتجديد المحتوى (جريدة سبق- الوئام- راصد بالدرجة الأولى) إلى مجرد الأرشفة وجمع المواد المتعلقة بسياسة الصحيفة مثل (صوت الأخدود – لجينيات- صوت المرأة السعودية). وهو الأمر الذي يمنحنا الانطباع بأن العمل الصحفي في الإنترنت السعودية أصبح ينزع إلى الانحياز الأيديولوجي أكثر منه الإثراء المعرفي والبقاء على قيد التحديث الإعلامي.

 ويب 2.0 وسيلة لامتداد الوعي السياسي السابق:

إذا كان المتلقي السعودي في تلك المرحلة قد وصل إلى مرحلة من انعدام الثقة بينه وبين الوسيط الرسمي، فإنه قد وجد البديل ماثلا أمامه في الصحيفة الإلكترونية التي بدت أكثر إثراءً وأكثر اقترابا من معتقدات المتلقي وإيماناته السياسية والاجتماعية. لذلك بدأت كثير من هذه الوسائط الإلكترونية ترفع شعار الصحافة البديلة وقدراتها الأكثر على الاقتراب من الحدث وصياغة الخبر بطريقة ولغة منتزع من إيمان القارىء نفسه.

فصحيفة راصد الإلكترونية التي تصدر في القطيف، تظهر فيها القصة بطريقة تعزز من إيمان الطائفة بالمظلومية الاجتماعية والإقصاء، بينما تنزع صحيفة سبق إلى صياغة القصص بطريقة تعزز من الإيمان الاجتماعي بوجود خطر أمني وأخلاقي يتهدد المجتمع من مصادر متآمرة. والأمر ذاته ينطبق على بقية الصحف الإلكترونية السعودية.

والتأثير الأيديولوجي –السياسي للداعم أو للممول ليس بدعا في الصحيفة الإلكترونية، بل هو الأصل في عمل الوسائط المملوكة لرجال أعمال أو حكومات حول العالم، ولكن الجديد في الصحيفة الإلكترونية السعودية هو كونها ترفع شعار (الصحافة البديلة) تكنيكا ومحتوى، اعتمادا على كونها تنشر ما يريد المتلقي أن يراه ويسمعه، أو ما يعرفه المتلقي سلفا ولا يريد أن يعتقد عكسه. وهو الأمر المعتاد في عالم الوعي السياسي الموجّه Manipulated Media  سوى أن التوجيه الآيديولوجي وجد مكانه مرة أخرى في عالم الصحافة الإلكترونية، وهو ما يعني عودة الوعي السياسي للمتلقي السعودي إلى المربع الأول الذي ينتمي إلى حقبة الثمانينات والتسعينات.

الفضاء العام السعودي لويب 2.0 خارج الصحيفة الإلكترونية:

لا يمكن تعميم أنموذج الصحيفة الإلكترونية وعجزها عن تطوير فضاء عام للمتلقي السعودي  ونقله من خانة الوعي المؤدلج الموجّه عقديا ورسميا على كافة المحتوى الإلكتروني السعودي، فتتبع تاريخ هذا المحتوى في مرحلة ويب 2.0 يثبت ظهور جهود فردية قوية (على مستوى المدوّنة ومقطع اليوتيوب وبوست الفيسبوك والتغريدة والهاشتاق) لخلق تقليد صحفي جديد يشارك المتلقي في عدم ثقته بالمصدر الرسمي، ويمنحه بديلا بطريقة مزودة باللغة الناضجة المقنعة والأدلة المرئية والمسموعة. وهو الأمر الذي كوّن فضاءً عاماّ أكثر نظاما وأكثر وضوحا في معالمه ومعتقداته السياسية.

وسبب نضوج هذا الفضاء العام هو كثافة المحتوى وسرعة تطوّره على مدار الساعة ، بالإضافة إلى فورية نشره بطريقة غير نخبوية (عدم الاحتياج إلى الرقابة أو التحرير) وفورية وصوله عبر التقنيات الاتصالية التي ولدت بعد 2006 (الهواتف المزودة بخصائص الوصول للإنترنت- عائلة أبل وتطبيقاتها المتعددة)، بالإضافة إلى دور التنبيهات بالتحديثات على البريد الإلكتروني، وهو ما جعل الفضاء العام يأتي إلى المستخدم السعودي في عقر داره (جهازه الشخصي) بدلا من أن يذهب المستخدم إلى الفضاء العام الواقعي (بيت الشاي أو المقهى أو الاستراحة أو الديوانية أو المجالس العشائرية  الخ الخ )  وهو ما زاد من ثراء الفضاء العام من جهة، ومن ثراء الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي من جهة أخرى.

موت النخبوية:

 إن أبرز ما أحدثته الإنترنت السعودية بامتداد تاريخها ومنذ دخولها في تشكيل الفضاء العام السعودي هو موت النخبوية ، وقدرة المتلقي السعودي على فرض وجوده في الفضاء العام الذي كان وإلى وقت قريب جدا حكرا على النخبة المتعلّمة أو القريبة من صانع القرار أو صانعة القرار نفسها. وأيا يكن مستوى تعليم المتلقي السعودي ، فإن أي شخص قادر على استخدام الحاسب الآلي والقراءة فيه أصبح قادرا على إضافة وجهة نظره وقول ما يريد أن يقول، وقراءة ما يرغب أن يقرأه . وبذلك لم تمت النخبوية فحسب، بل ماتت اللغة العسرة التي كانت تستخدمها على الوسائط الرسمية. وولدت بدلا منها لغة شبابية قريبة إلى عقل المتلقي الذي أصبح وبفضل الإنترنت السعودية جزءا حتميا من تشكيل وإدارة الفضاء العام . والأمر الملحوظ أكثر من ذلك هو أن الهوة المعروفة بين الفئات العمرية والطبقات المتعلمة وغير المتعلمة والفروقات الجنسية والعرقية والقبلية والطائفية أصبحت أقل بشكل ملحوظ، وأصبحت الشبكات الاجتماعية المتاحة للكل تجمع القديم بالجديد، وتشكل صداقات تجمع بين الفئات التي كانت تعاني قطيعة ضرورية اجتماعية في فضاء افتراضي يشارك الكل فيه إما بهويته الحقيقية أو متجردا منها بكامل إرادته (الرجال والنساء أبرز مثال). وهو الأمر الذي يشكل تفكيكا لكل البنيات الكلاسيكية التي فرضتها الضرورة الاجتماعية سابقا. وبالتأكيد ، فتفكك هذه البنيات الكلاسيكية يعني بالضرورة تشكل وعي عام مختلف بشكل كبير عن الوعي الذي شكلته السياقات الاجتماعية والسياسية القديمة.

ويب 2.0 والنقلة التي أحدثها في الوعي السياسي العربي

من المهم جدا أن نعرّج على الظروف التي أحدثت النقلة في الوعي السياسي العربي عموما والسعودي خصوصا، إذ إن تلك النقلة لم تكن لتحصل بمعزل عن الواقع الاقتصادي الذي جاءت به سياسات السوق الحرة والشركات متعددة الجنسيات ووجودها العالمي ودورها الكبير في تغذية الاقتصاد العالمي بالمنتجات الجديدة والرخيصة ، وبالمقابل خلق فرص عمل لأكبر عدد من العاملين والعاملات، هذا بدوره لم يمنع من تآكل الطبقة الوسطى بالتدريج من جهة، وازدياد نسب الفقر والبطالة في الدول العالمثالثية ومن ضمنها دول العالم العربي. في هذا الواقع الاقتصادي باختصار وفي مرحلة ويب 2.0 بالتحديد أصبحت الإنترنت متاحة لكثير من المستخدمين في العالم العربي ومن كافة الطبقات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بالإضافة إلى كافة الفئات العمرية.

تزامنت ولادة الإنترنت العربية وتدفق المحتويات العربية مع زمن السوق الحرة وصراعاته المتعددة على المستويات الاقتصادية والأخلاقية بالإضافة إلى تذبذب مستويات التنمية بين النمو والانحدار، والشيء الذي لا مراء فيه هو كون ولادة الإنترنت العربية قد تزامنت مع الثورة الاتصالية وإتاحة وسائطها للمستخدم العربي. وإذا كانت قصة يوتيوب قد بدأت بإتاحة رفع الملفات المسجلة والشخصية وإتاحتها مجانا للمتلقين، فإن وجود الصحفي العربي في يوتيوب كان مصطبغا بكل سياقاته وخصائصه الثقافية ، ولم يستغرق الأمر طويلا حتى أصبحت صحافة اليوتيوب تعني حرفيا صحافة المواطن في كثير من البلدان العربية وعلى رأسها مصر. والأمر في السعودية قد يبدو مختلفا قليلا ، بل ربما لم تكن للصحفي السعودي سابقة في اعتبار يوتيوب قناة صحفية معتبرة حتى الوقت الذي نشرت فيه مقاطع صادمة لقيت انتشارا كبيرا وغضبا اجتماعيا كبيرا، وهو الأمر الذي أصبح فيه اليوتيوب يعلن عن نفسه في المجتمع السعودي كصحفي بديل تستبدل فيه الصورة والمقطع بالخبر المصوغ بطريقة احترافية.

وفيما يتعلق بالربيع العربي، فما فعله الإعلام الجديد بالعرب هو خلق علاقة ديناميكية بين الناس  في موقع الحدث والثورة وبين القنوات الرسمية لحظة بلحظة، وهو الأمر الذي جعل وضاح خنفر _المدير السابق لشبكة الجزيرة_ يصف هذه الصورة بأنها (نمط جديد في تقديم الخدمات الإعلامية دون أن يكون للمال فيها دور) ، إذ حين اندلعت الثورات، كانت أدوات الوعي الجديد تقوم بدورها في تغذية وسائل الإعلام الرسمية من قبل المتفرجين والمتظاهرين وعبر أدواتهم البسيطة في هواتفهم النقالة وحاسباتهم المتنقلة وصفحاتهم ومدوناتهم، أي أنهم كانوا يقدمون خدمة للصحفيين والقنوات ، فهم يعطونها ما تبثه وتنشره، والقناة تقوم بنقل صوتهم وغضبهم على شاشتها للعالم. وبهذا أصبح كلا الطرفين مستفيدا من هذه الوحدة بين الإعلام الجديد والإعلام المؤسسي والإعلام المنظمي بشكل مثير للإعجاب. (Khanfar, 2011)

العيال كبرت:

اندلاع الربيع العربي قد يكون قد بدأ واضحا طريا وسخيا ورومانسيا في العالم العربي، إلا أن امتداده في العالم الغربي (شغب لندن وَ حركة احتلال وول ستريت وَ أخيرا تظاهرات روسيا ضد بوتين) كانت كلها ضخمة، كبيرة، شبابية وسريعة، تنتظم داخل العالم الافتراضي ومن ثم تترجم بشكل فعلي في العالم الواقعي، وهو عكس ما كانت عليه الحال الاجتماعية في عصر ويب 1.0، حيث كان اليوزر يختفي من العالم الواقعي ويأتي بأدواته ويخلق بها عالمه الافتراضي.

وقد بهرت هذه الثنائية في تبادل القوى كل المحللين الإعلاميين خلال 2011، فالسؤال الذي طرحته بي بي سي في إحدى تقاريرها  نهاية 2011: هل حقا تغيرت موازين القوى؟ وهل أصبحت القوى _فعليا_ بأيدي الجماهير؟

لقد كانت الطفرة الاستهلاكية التي أصبح بها كل مواطن عالمي مستهلكا من الدرجة الأولى وسيلة لاستعباد المستهلك من قبل مالك رأس المال (او صاحب الشركة) وهي السمة التي أثارت ذعر باحثين اجتماعيين مثل هربرت شيلر في كتابه (الإنسان ذو البعد الواحد) إذ تنبأ أنه وبفعل الطفرة الاستهلاكية العنيفة التي أغرق بها المواطن العالمي (وفي حالته كان يتحدث عن الإنسان الأمريكي بالدرجة الأولى) فإن المواطن لن يكون قادرا على أن يكون أفضل من مستهلك، وسيفقد كل معالمه وخصائصه الاجتماعية إلى درجة التحول إلى آلة_ رعيّة_ عبد للثقافة الاستهلاكية التي تجار نخاستها هم مالكو الشركات متعددة الجنسيات والمتحكمون في السوق .

لكن ما حصل كان مفاجئا جدا لكل التحليلات الاجتماعية التي أسرفت في التشاؤم بشأن النزعة الاستهلاكية، ومؤكدا على الطبيعة الإنسانية في الإنسان ستظل هي الأقوى والأقدر على البقاء ، وذلك أن التكنولوجيا التي وفرها ويسرها رأس المال وأتاحها لكل مواطن عالمي، أصبحت هي السلاح الذي يرفعه المواطن العالمي في وجه القوى غير العادلة، والتي من ضمنها الشركات متعددة الجنسيات.

وهكذا تكون الرأسمالية مرة أخرى وعلى كلام بودريار، قد صنعت موتها بيدها، وقد منحت الدمى التي كانت ترغب في السيطرة عليها، خيوطها التي تحركها بها، وانقلب سحر الرأسمالية على ساحره، بفضل ويب 2.0 وأدوات صناعة الوعي الجديد.

ثورة الياسمين والمتلقي السعودي السلفي:

يغلب أن توجد في ذهن المتلقي عن مجتمع ما عدد كبير من التصورات الملخصة التي تشكل تنميطا (أو ستيريوتايب) للمجتمع. ينطبق هذا الأمر على المتلقي السعودي وصورة المجتمع التونسي في ذهنه. فالخطاب الصحوي كان قد رسم صورة متماسكة عن المجتمع التونسي وعلمانيته الكلاسيكية، ولذلك لم تكن ديكتاتورية النظام التونسي القديم إلا ناتجة من حالة عداء للدين والتدين والمجتمع، الأمر الذي تشرّبه المتلقي السعودي وتركزت بموجبه صور متكررة لفرض نزع الحجاب ومنع المصلين من الصلوات وغيرها من الصور التي التصقت بالنظام الديكتاتوري التونسي. ولذلك حين اندلعت ثورة الياسمين في تونس ، افترض المتلقي السعودي أن الصورة المكثفة للحكومة المعادية للدين هي ما سبب الثورة في المقام الأول، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى التي تتعلق بالاقتصاد والحالة التنموية لتونس.

وهو الأمر الذي يجعلنا نفترض أن المتلقي السعودي بتعدد خلفياته وتوجهاته يقرأ الثورة التونسية من خلال سياقه (هو):

_فالمتلقي المتأثر بالخطاب الصحوي قرأ الثورة على أنها ثورة الدين المقموع على الواقع العلماني القارس الذي يمارس إقصاء الدين من الحياة العامة وبقوة العسكر.

_بينما ينظر المتلقي ذو الرؤية التي توصف بالليبرالية على أنها ثورة شعب مقموع من أجل الحريات الأساسية المسلوبة ومن ضمنها حرية ممارسة الشعائر الدينية.

راقب المتلقي السعودي انتقال الثورة من تونس إلى مصر ومن ثم بداية المظاهرات في ليبيا، وكانت صورة المشهد الثوري أكثر وضوحا في شاشة قناة الجزيرة وهي تنقل وبشكل مباشر مشاعر المتظاهرين ومطالبهم التي لم تكن تعبّر بالضرورة عما يدور في خلد المتلقي السعودي ومخاوفه تجاه ثورة تونس.

فالمتلقي السعودي المدفوع بالآيديولوجيا يفترض سيناريوهات مابعد الثورة وفقا للقصص التاريخية المشابهة لعصر مابعد الثورات، فالسيناريو المعروف والذي تكرر كثيرا في التاريخ الحديث هو سيناريو إيران مابعد الثورة (تحول الاستبداد إلى شكل ديني متمدن)، أو جزائر ما بعد الثورة (محاربة التغيير باسم الانقاذ من التطرف الديني ونفوذ العسكر). ورغم وجود سيناريو بديل متمثل في سيناريو ألمانيا الشرقية بعد سقوط الجدار وانفتاحها على النظام الديمقراطي السائد في أغلب أصقاع العالم ،(الحداد، 2011) إلا أن المتلقي السعودي لا يمكن أن يتخلص من سياقه الذي يفهم به السياسة وهو يقرأ الربيع العربي.

ولذلك أثارت تصريحات الشيخ الغنوشي بعد فوزه بالانتخابات بأنه سوف يحافظ على علمانية تونس غضب كثير من المتلقين السعودين ذوي الاتجاه الصحوي أو المتدين، بل عبر كثير منهم خيبة أمله في قنواتهم الخاصة على ويب 2.0 . بينما لم يتحرج كثير من الكتاب المحسوبين على التيار الليبرالي من إبداء مخاوفهم من الربيع العربي (الثورة المصرية) وكونه سيكون معبرا سهلا إلى السلطة للجماعات المتطرفة أو الإسلامية ، وقد رصد الكاتب السعودي فهد الحازمي في مقالته (من جنبها: سعوديون يتحدثون عن الثورة المصرية) عددا من الاقتباسات عن كتاب مقالة سعوديين يتحدثون بذعر واضح من خطر استفادة الحركات الإسلامية من هامش الحرية الذي يمكن أن تحدثه الثورة. (الحازمي، 2011)

عبّر كثير من المتلقين السعوديين الصحويين عن نظرتهم للثورة التونسية (والربيع العربي فيما بعد) على أنها كانت ثورة مسلمين مقموعين ممنوعين من ممارسة دينهم، وأكثر منه عبر كثير منهم عن أنها كانت ثورة مسلمين راغبين في تطبيق الشريعة بنموذجها السلفي التام (النموذج السعودي) ، وهو الأمر الذي علق عليه عبد الله المالكي أحد الحقوقيين السعوديين بقوله : “في كلمة واحدة.. خرجت الشعوب لأجل سيادتها! نعم لـ(سيادتها) وليس لشيء آخر، وليس لدافع أيديولوجي سواء كان عقائدي ديني أو فلسفي وضعي.  ولكي نكون أكثر وضوحا: لم تخرج الشعوب لأجل تطبيق الشريعة مع شرف هذا المطلب وأحقيته للمجتمعات الإسلامية بلا شك، ولكن الشعوب لم ترفع هذا الشعار خلال مظاهراتها واحتجاجاتها، لم تخرج لأجل إحياء منهج أهل السنة والجماعة كما يظن البعض، أو لأجل نصرة مذهب السلف، لم تخرج لأجل محاربة المنكرات السلوكية، أو لكي تحطم المزارات والأضرحة، لم تخرج لأجل تطبيق المصارف الإسلامية أو لأجل السماح بالتعدد في الزواج أو لأجل فرض النقاب أو الحجاب أو منع الخمور والمراقص الليلية. لم تخرج الشعوب لأجل هذه المطالب. وإنما خرجت لكي تسترد سيادتها على أوطانها أولا، ولكي تكون هي المصدر الوحيد للسلطة وللشرعية وليس الفرد المتغلب ولا الحزب الحاكم الأوحد. لا يعني أن الأمة ضد هويتها الإسلامية ومرجعيتها الشرعية. بل نحن نعتقد بأن الشعوب هي أكثر أصالة ومحافظة لهويتها ولقيمها من أنظمتها الفاسدة البائدة، ولكن لم يكن هذا هو الدافع في خروجها وثورتها وإسقاطها لأنظمتها. إذن استعادة (السيادة) على الأوطان هو الذي أخرج الشعوب العربية الثائرة ودفعها لبذل الدماء والتضحيات الجسيمة.” (المالكي، 2011)

التنويريون السعوديون أو إسلاميو ويب2.0 :

لا يستطيع المتلقي السعودي الانفكاك من خلفيته السلفية الدينية في تحليل الحدث السياسي، فهو إن لم يكن إسلامي النظرة والنزعة بواقع التربية والتنشئة، فهو إسلامي الواقع والمجتمع والمحيط، وينطبق هذا الحكم على المتلقي السعودي المتوسط، حيث إن من يملك أدوات النظر في الخطاب السلفي قد لا يكون قادرا على تحديه بصوت مسموع، ومن المعروف كيف يمكن لحالة تحدي السائد أو انتقاده أن تؤدي بمن يجرؤ على هذا الأمر. وحين جاءت الإنترنت السعودية فتحت المجال لكل الأصوات غير المسموعة لأن تكون أقوى، فما كان سائدا في مرحلة ماقبل الأنترنت أصبح أكثر سيادة وتغلغلا، وما كان مكتوما غير مسموع ولا معروف، أصبح متشكلا كخطاب له أدواته وحجاجاته.

تميزت مرحلة ويب 2.0 بالتفاعلية المستمرة بين المؤلف وبين المتلقي، وهي سمة موجودة في ويب 1.0 سوى أن تفاعلية أدوات ويب 2.0 أكثر سرعة وأكثر تداولا بفعل التمدد الأفقي للعملية الاتصالية وصغر حجم النص. وهو ما جعل الإثراء بسمته الريزومية يظهر بشكل أوضح في هذه المرحلة، فالفكرة ترتحل في هذا الفضاء وتنغرس وتنمو في أي بقعة وتحت أي معرف، وربما تتغير وتصطبغ بسمة جديدة في المكان المرتحل إليه .

في ويب2.0 أصبح المتلقي يواجه التيارات السياسية المتعددة في الفضاء العام السياسي السعودي وجها لوجه، وأصبح بإمكانه أن يلاحظ أن كل مؤلف- يوزر أصبح بإمكانه أن يشكل ريزوما تنبت من خلاله الأفكار وتتواصل فيه عملية الحوار بدلا من استزراع النصوص والأفكار. فاستمرارية عملية الحوار والسؤال هو بحد ذاته معنى وجود ويب 2.0 وهو الأساس الذي عليه قام الحراك العربي الشبابي، إذ إن عملية التماوج والتجدد المستمرة هي ميزة بقدر ما هي حقيقة الربيع العربي. (الحداد،2011)

أنتجت مرحلة ويب 2.0 وهامش الحرية الكبير الذي منحته لليوزر السعودي حركة فكرية شبابية الطابع، هي في حقيقتها حركة لطليعة من مثقفي الصحويين ، والذين تطوّرت أفكارهم عن مستوى (الخطاب) الذي توقفت عنده الصحوة، ودخلوا إلى مرحلة السؤال من داخل  الخطاب نفسه. أي أنهم صحويون من داخل الخطاب تحولوا بفعل أدوات ويب 2.0 من متلقين إلى منتجين للسؤال، ومن ثمار وأوراق لشجرة الصحوة إلى ريزومات تملك أدوات التكاثر والحياة ، وتمارس البداوة والارتحال .

يطلق الصحويون الجدد على أنفسهم مصطلح التنويريين، فهم في واقع الأمر أبناء الصحوة الأمس، وهم وبسبب نموهم المستمر أصبحوا أكبر من ان تحصرهم الصحوة بمصطلحاتها التي يبدو أنها لم تتطور كثيرا، ولذلك أتخذ كثير منهم مسميات (صحفي _إعلامي_ مفكر_ مثقف _حقوقي_ تنويري_إصلاحي) وكلها محاولات للمناورة والالتفاف على الاصطلاحات الصحوية، خصوصا وأن أساس فكرة الخطاب الصحوي هو افتراض وجود حالة غفلة-جهالة عامة (في الثمانينات والتسعينات) وافتراض وجود حالة ارتداد وتعَلمن شاملة (في مرحلة ما بعد 11-9) ، وهو الأمر الذي يجعل الالتفاف على أسماء ودوال الخطاب الصحوي أمرا عسيرا، إذ لا يعني تطوّر المدلول عليه (المسمى) عن الاسم إلا ارتدادا، ولا يمكن المناورة على هذا الحكم بسهولة إلا عبر ابتكار أسماء ودوال لا تقل إشباعا عن الأسماء والدوال القديمة.

لعب هؤلاء التنويريون دورا هائلا في إدارة المشهد السياسي السعودي في فترة الثورات عبر أدوات ويب 2.0، فهم من جهة أمكنهم أن يكسبوا ثقة الشارع السعودي الغاضب من الأنظمة الحاكمة العربية (بسبب نظرته السلفية) ومن جهة أخرى أمكنهم تمرير فكرة البديل الإسلامي المتحضر (الذي تمثله تجربة حزب العدالة والتنمية التركي والتي حالفهم الحظ لأن تتزامن نجاحاته مع موجة الربيع العربي وإرهاصاته حول العالم العربي) ..

وهذه التجربة الإسلامية التي تتمحور حول فكرة المجتمع المدني ذي الطبيعة الديمقراطية والسلطات المفصولة والدستور الواضح المستمد من الشريعة الإسلامية بتعدد مذاهبها، هي تجربة لا تشبه بشيء التجربة الطالبانية وتجربة النظام السوداني وغيرها من تجارب الإسلام السياسي التي خيبت ظنون المتلقين المسلمين حول العالم.

يمكن ضرب أمثلة على أشهر الأسماء التنويرية التي كانت في قلب الحدث من الأستاذ نواف القديمي، وهو يعرف عن نفسه دائما بوصفه صحفيا –إعلاميا، له مؤلف بلغة شبابية يدور حول سؤالات الديمقراطية والسلفية (أشواق الديمقراطية) ومشاركات كبيرة في التأصيل للفكرة الديمقراطية من المصادر الإسلامية التي يستند عليها الأصوليون . كان الأستاذ نواف القديمي في قلب ميدان التحرير في يناير 2011 ، وقد عمل حسابه في فيسبوك وتويتر على امتداد شهر كامل على تغطية ونشر ما كان يجري داخل الميدان. وهو الأمر الذي جعل عبد العزيز الخميس رئيس تحرير مجلة المجلة الأسبق يلقّب القديمي على تويتر بـ(روبرت فيسيك العرب) ، إذ كان القديمي يمارس المراسلة الصحفية باحتراف ليس فقط بتغطية الخبر وإنما بتحليله سياسيا في وقته وعبر صفحته في فيسبوك،

أما الأستاذ عبد الله المالكي فقد كانت سنة 2011 بالنسبة له مصدر إثراء لفكرته ومطالباته الحقوقية الإصلاحية ، إذ كانت الثورة التونسية ورومانسية صورها وسلميتها ملهما لأحلامه بثورة سلمية مشابهة، وإن اختلفت المطالب بطبيعة الحال . وعبد الله المالكي بصفته باحثا في الفلسفة الإسلامية وجد في الفضاء الثوري مجالا ليطلق عددا من المقالات القوية ذات الطابع النقدي الذي يتساءل عن  مسؤولية سلفية الفكر الديني السعودي عن تخلَف المشهد السياسي السعودي على مستوى المتلقي والمشاركة السياسية، كما يعزو تخلف الأمة إلى سوء إدارة السلفي لمفاهيم كبرى في عالم الإسلامية مثل الحاكمية والشريعة والعلمانية ، وكان أن نشر قبل أسابيع قليلة مقالته عن تقدم سيادة الأمة على تطبيق الشريعة، ولاقت مقالته كما هو متوقع جدا استنكارا واسعا من قبل الصحويين إذ اعتبرها بعض التنويرين أنفسهم (مثل الدكتور محمد العبد الكريم) تقليلا من شأن تطبيق الشريعة في الخطاب الإسلامي. (المسيند،2011)

الشيء الملحوظ في ربيع العرب 2011 هو النشاط الهائل في إعلام السعوديين الجديد لتغطية ومتابعة ما يحدث حول المملكة، بالإضافة إلى التساؤلات الحذرة من قبل أطياف متعددة في المملكة عن مستقبل الفضاء العام السعودي والسياسة السعودية في ظل الثورات، والتساؤلات الأكثر إلحاحا حول إمكانية أو عدم إمكانية انتشار تأثير الثورات في الخريطة السياسية للخليج عامة والمملكة العربية السعودية خاصة.

ثورة حنين، المرأة السعودية وعدوى الربيع العربي:

لعل الملمح الأكثر وضوحا في 2011 هو امتداد موجة الثورات والغضب الشعبي لتشمل كل الشعوب العربية بالتدريج من نقطة التحريض الفردي –حادثة محمد بو عزيزي وحوادث مشابهة لها في مصر وليبيا_ إلى موجة الغضب الجماعي، وهو الشكل الذي بدت عليه الثورات المتوالية بعد ثورة الياسمين، ابتداء من مصر، ومرورا بليبيا، وانتهاء بسوريا واليمن. ولم يكن المتلقي السعودي استثناء من هذا التأثير، فالمتلقي السعودي هو من أوائل من استخدم أدوات الإعلام الجديد، وهو من أوائل من وظفها للالتفاف على قيود  الرقابة ومن أوائل من استخدمها للالتفاف على تهميشه في مسألة المشاركة في صناعة القرار، ومن أوائل من استخدمها للالتفاف على السائد وتحديه. ولعل موضوع المرأة السعودية يكون من أكثر المواضيع حساسية وإمساسا بالوتر الأكثر حساسية في العقل الجمعي السعودي، حيث تعتبر السعودية ورغم كل الجهود المبذولة على مر التاريخ لإدماج المرأة في الفضاء العام، بلدا ذا ثقافة ذكورية متضخمة واضحة المعالم ابتداء من الأنظمة الحكومية وفي التقاليد المجتمعية، وتمتد هذه المعالم لتصل إلى اللغة الحذرة المستخدمة في الحديث عن الأنثى والمرأة. (عقيل، 2010)

لكن المفاجأة التي أتت بها 2011 وعبر أدوات الإعلام الجديد، أن أحد أكثر الفئات تهميشا وأقلها حضورا في مشهد صناعة الرأي العام وهي (المرأة) هي من قادت ثورة نوعية انتقلت من العالم الافتراضي (حملة سأقود سيارتي بنفسي في 16 يونيو) إلى العالم الحقيقي.

أما ما سواها من المحاولات لنقل الغضب الجماهيري الموجود في العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي، فلم تتكلل أي منها بالفاعلية وأجهضت في لحظتها أدبيا (عبر الوصم) وتنظيميا (عبر المراقبة والاستنفار الأمني)، وأنا أتحدث هنا بالتحديد عما سمي بـ(ثورة حنين)، والتي حدد موعد الخروج لها في 21 من مارس، وتم التعبئة لها في أدوات الإعلام الجديد (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) بشكل لم يسبق له مثيل في تلك الفترة، إلا أن المحصلة كانت غيابا تاما وانقطاعا ما بين الخطاب البالغ الغضب الموجود في العالم الافتراضي، والهدوء والغياب المستمر لذلك الغضب المفترض في العالم الحقيقي.

والحقيقة أن ما تلا خطة ثورة حنين من قرارات ملكية* وإصلاحات ووعود شاملة، بالإضافة إلى الخطاب الملكي الكريم الذي تلا ثورة حنين مثنيا على ما سمي بـ(الولاء للوطن) ، كلها عوامل عادت على المواطن السعودي بنوع جديد من الفهم للسياسة، مختلف تماما عن الفهم الذي تبلور بعد متابعة نجاح ثورتي تونس ومصر السلميتين، لدرجة أنه يمكن وصفه بأنه انقطاع في البارادايم (أو النمط) المعرفي الذي كان مفترضا أن يتجه إليه الفضاء العام السعودي بعدما شهد تجربة الثورات السلمية رأي العين.

________________________

*صدرت حزمة من القرارات الملكية في اليوم التالي لـ21 مارس بخصوص إهداء راتبين ووعود بحل مشاكل العاطلين بالإضافة إلى وعود بمكافحة الفساد . للاستزادة راجع رابط الخبر في جريدة الرياض.

 فقد انقسمت الرؤى حول القرارات الملكية، مابين معتبر أنها ضربة استباقية من الحكومة السعودية وإعلامها الرسمي لقطع السبيل على محاولات الحراك السلمي، وما بين معتبر أنها استجابة خجولة بطريقة موناركية-ملكية صرفة للمطالبات التي دارت عليها خطة ثورة حنين. (الظفيري، 2011)

ولأن تلك الاستجابة كانت ضخمة ومكلفة وتتضمن ضخ مزيد من الأموال في الميزانية العامة وفي قطاع الخدمات والإسكان وحل مشكلة البطالة، فقد تلا تلك القرارات فترة بالغة النشاط من كثافة المحتوى الإخباري سواء على مستوى الصحافة الرسمية أو مستوى الصحافة الإلكترونية الحرة أو صحافة ويب 2.0 . كان هذا المحتوى الإخباري الكثيف قد جعل الفضاء العام السعودي يتحوّل من الركود وسيادة الخطابات الشبابية ذات النبرة اليائسة والعدمية أحيانا، إلى سيادة نبرة شبابية فاعلة ومبادرة وفخورة بالولاء للنظام الحاكم بصيغته الحالية، أي أن ما حصلنا عليه بفضل الربيع العربي وانعكاسه على الفضاء العام السعودي كان (حراكا) في الوعي العام يمكن اعتباره نقلة في فترته رغم قصرها.

 وعودا على بدء، فالخطاب النسوي السعودي ورغم أنه بدا لزمن طويل غير واضح المعالم نتيجة لعدم وضوح صوت المرأة السعودية من الأساس ونتيجة لكل العوامل الظرفية التي ولد فيها الحراك النسوي السعودي على امتداد التاريخ الحديث، إلا أن مرحلتي ويب 1.0 و ويب2.0 كانتا قد أحدثتا نقلة نوعية في قضية المرأة السعودية ، وآذنتا بنضج ملحوظ للخطاب النسوي السعودي.

المفاجأة التي أتى بها الربيع العربي للمجتمع السعودي هو تلك الجرأة العارمة التي جعلت مجموعة من النساء ينقلن غضبهن وإحباطاتهن في ثلاث مشاهد منفصلة مختلفة الدوافع:

فالمظاهرة الأولى قامت بها زوجات سجناء لم تتم محاكمتهم أمام وزارة الداخلية ، وتجلّت صعوبة هذا الظهور النسوي في كونه ظهورا حرجا  أمام عدد من العوامل التي يكفي واحد منها لإفشال أي حراك نسوي:

 1) مجتمع متحفظ أمام مشاركة المرأة في الرأي العام فضلا عن قيامها بدور المبادرة في أمر لم يقم به الرجال من قبل، ناهيك عن الظهور في مقاطع فيديو تحت مسمى (مظاهرة).

2)أمام المؤسسة الأمنية الأقوى في الحكومة السعودية والأكثر شهرة في إيقاف ما هو أقل من هذا الحراك، إذ لا تتساهل وزارة الداخلية السعودية ولا تقلل من شأن أي حراك من شأنه أن يدخل تحت مظلة (زعزعة الأمن) .

ما حصل من التعامل المتحفظ مع المتظاهرات ووعدهن بحل مشكلتهن والتعهد عليهن –بوجود أولياء أمورهن _ بعدم تكرار هذا الأمر، لم يمنع هذا التعامل الناعم مع المتظاهرات حركة أخرى كانت أقوى وأعلى صوتا من الأولى، وهي وقفة معلمات محو الأمية الأكثر صخبا أمام وزارة الخدمة المدنية والتي قامت بتغطيتها الصحافة الإلكترونية (صحيفة الوئام ) بالصوت والصورة ، والتي جعلت الكثير من المعلقين يجمعون على أن المرأة كانت أشجع وأكثر قدرة على المبادرة فيما يتعلق بالحراك، بالإضافة إلى كونها أكثر تحديدا ووضوحا في مطالبها.

أما المشهد الثالث ، وهي مجموعة سأقود سيارتي بنفسي في 15 يونيو، فقد كان هو المشهد الأكثر إشكالية من أوجه عدة، فالمطالبة كانت تجديدا لذكرى المظاهرة الأولى عام 1990، بالإضافة إلى كونها تتزامن فعليا مع الربيع العربي ، ولكون المطالبات فيها سيدات من الفئات الأكثر تعليما وتمكينا في المجتمع، ناهيك عن أن الدعوة تحمل في ثناياها وضوحا في لهجة التذمر من موضوع ولي الأمر ووجود الرجل في حياة المرأة السعودية نظاميا. وهو الأمر الذي جعل أعضاء سعوديين في فيسبوك يظهرون تطرفا ذكوريا غير مسبوق بالتهديد باستخدام العنف ضد قائدات السيارة، وتجلت ذكورية هذه الحملة بكون اسم أداة العنف جزءا من زي الرجل السعودي (العقال) كترميز صارخ لعقيدة سيطرة الرجل وقدرته المطلقة على إدارة المجتمع الحقيقي منه والافتراضي.

هذه المشاهد الثلاثة ورغم تزامنها مع الربيع العربي، إلا أن واحدة منها لم تعلن عن نفسها كثورة أو حتى مظاهرة، ولكن التسمية جاءت أنها (مطالبة) وهو الأمر الذي يوضح مدى أهمية المصطلح وطبيعة اللغة المستخدمة في وعي المتلقي السعودي. فالمتلقي السعودي لم يستوعب أن يكون هو نفسه متظاهرا أو مطالبا، فضلا عن أن يتقبل أن تقوم أحد أكثر الفئات تعرضا للتمييز بمبادرة أولى في تاريخ الوعي السياسي –الاجتماعي السعودي

لم يخلُ أمر المشاهد النسوية الثلاث بطبيعة الحال من إثارة الجدل المعتاد والمكرور حول ظهور المرأة ، وحول ظروف وأدبيات كل مشهد ، ولكن الملاحظ في كل المشاهد النسوية الثلاث أنها كانت نسوية خالصة، وأن المتلقي الرجل قام بدور المتفرّج والمعلّق ، ولم يؤد أحد من هذه المشاهد النسوية الثلاث إلى أي نتائج ولم يترتب عليها أي مشاهد شعبية أخرى.

اتجاهات المتلقي السعودي في تناول الربيع العربي:

يفضل الكثيرون من المحللين الرسميين وكتاب الأعمدة تجاهل الاتجاهات الفكرية التي ظهرت تسمياتها مع ظهور الإنترنت السعودية،  حيث يفضل الكثير منهم التقليل من شأن التسمية –المصطلح ، والإصرار على أن التسمية انتزعت من سياقها ووضعت في سياق غير متطابق معها أبدا، ومصطلح (ليبرالي) و (علماني) هما خير مثال على هذه الحالة من التحليل الفكري في الوسائط السعودية. كما يفضّل كثيرون من المثقفين والناشطين في الإعلام الرسمي أو الإلكتروني الالتفاف على هذه التسميات عندما تطلق عليهم، ذلك أن إطلاقها على كاتب أو مثقف أو مبدأ أو حملة هو حالة أقرب إلى (الوصم) منها إلى (الوصف).

على أن تجاهل الصحافة الرسمية لهذه التسميات يناقض تماما شدة استخدامها وتداولها في الفضاء الافتراضي السعودي، فلا توجد كلمات أكثر تداولا في أي حوار سياسي من هذه التسميات، والأهم من ذلك أنها تطوّر لتصبح دالّة على قوالب معرفية محددة، وفي بعض الحالات المتطرفة، تتطوّر هذه المسميات ليدل بعضها على بعض ولتتكون لدينا سلاسل دلالية من التسميات الواصمة، والمثير هو أنها فعليا أصبحت تدل على اتجاه محدد في التحليل الفكري والسياسي.

أي أن هؤلاء المتحدثين ، سواء أطلقوا على أنفسهم مسمى (ناشط_ إصلاحي_ حقوقي) أو غيرها من المسميات، أصبحت تتضح لديهم سمات مشتركة ورؤى متشابهة ، لدرجة أنه يمكن اعتبارهم تيارا أو على الأقل اتجاها في الرؤية وتحليل الموقف السياسي بناء على منطلقات مشتركة. ودعوني هنا أستعِر نفس المسميات التي يتم تداولها في عالم الويب 2.0 لهؤلاء المتحدثين من أجل أن أوجز اتجاهات المتلقي السعودي في تناول الربيع العربي: المتدينون ( ويطلق عليهم الإسلاميون ويتشكلون من تيار الصحوة والتيار السلفي على وجود خلافات داخلية جذرية منهجية داخل هذا التيار) – وغير المتدينين (ويطلق عليهم الليبراليون)_ بالإضافة إلى الاتجاه المنبثق عن التيار الصحوي والذي يطلق على نفسه التيار التنويري. والذي أعلن عن نفسه رسميا بإطلاق مجلة (رؤية) التي أسسها وأطلقها الناشط إبراهيم النوفل، ودارت موضوعات هذا التيار حول فكرة إعادة قراءة وتوليد الفكر الإسلامي عبر أدوات فكرية متعددة، وهو الأمر الذي سيؤدي حتميا إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي والوصول إلى أهداف العدالة والتنمية.

وبين هؤلاء الثلاثة كانت هناك نقاط مشتركة فيما يتعلق بالربيع العربي، إذ جمعتهم جميعا فكرة ضرورة إسقاط الأنظمة العربية، لكنهم يختلفون في تحليل أسباب الثورة ومطالبها ومن ثم مفهوم الدولة الذي يجب أن يترتب على رحيل الأنظمة السابقة.

فالإسلاميون يرون أن الشعوب ثارت من أجل إعادة الإسلام إلى الحياة، ومن ضمن إعادة الإسلام إعادة العدالة الاجتماعية والحريات الدينية، ويمثل هذا التيار كتابات الشيخ سلمان العودة وخصوصا مقالته الجريئة (أطعموا شعوبكم قبل أن تأكلكم) والذي نشره على موقعه الرسمي (الإسلام اليوم) إذ جاء هذا المقال محملا بالكثير من التعاطف مع الثورة في جانب أسبابها الاقتصادية، وهو الطرح الذي بدا جديدا بالنسبة للإسلاميين الكلاسيكيين (الصحويين) إذ مازالت الأطروحات الصحوية حافلة بالكثير من النزعة العقدية-الطائفية، وكثير من عناصر مرحلة التسعينات والثمانينات في التحليل السياسي، بل إنه من المثير للاهتمام وجود رؤى سلفية فردية تعتقد أن شرعية الثورة جاءت بسبب أنها اندلعت أصلا من أجل المطالبة بتحكيم الشريعة.

أما الليبراليون فقد جاءت ردة فعلهم مختلفة عما كانت عليه نبرة التذمر من تخلف الوطن العربي وضرورة إعادة إنشائه من العدم فيما يتعلق بالتنمية والفكر، والمفارقة أن الليبراليين ورغم حماسهم الكبير للربيع العربي، إلا أن التخوّف والنظرة السوداوية من صعود التيار الإسلامي كانت هي أبرز نقطة في حواراتهم.

وبالنسبة للتنويريين فقد كانوا أسعد السعوديين وأنشطهم في الفيسبوك والتويتر فترة اندلاع الربيع العربي، إذ كانت هذه الفئة الأقدر على تحليل الأحداث من منظور وسط بين بعد الحداثي والسلفي بوصفها فئة وسيطة مغايرة للسلفي وبعد الحداثي Counter Postmodern-Salafist

إذ كانت إحباطاتها تمثل إحباطات التيارات جميعا، فإحباطات الإسلامي من تجاهل الشريعة والحريات الدينية موجودة لدى التنويري، كما إن توقعات التنويري في أن تكون الديمقراطية هي الفضاء الأمثل لتطبيق الشريعة (كما هو شعار عبد الله المالكي أحد منظري هذا التيار) تماثل ما يردده الليبرالي ويحلم به دائما.

وهكذا دارت الثورة على الطاولة السعودية من خلال الشاشات وحسابات فيسبوك وتويتر الناشطة التي كانت تراقب الأحداث من خلال قناة الجزيرة وتكثّف تدفق المعلومات والصور والمقاطع .

ربيع السعوديين:

لم يأتٍ الربيع العربي بعوائد اقتصادية على الاقتصاد السعودي فحسب، بل كانت بركاته قد امتدت لتصل إلى ازدهار لا يمكن تجاهله في الوعي السياسي لدى المتلقي السعودي بكافة فئاته.

فالحديث عن الفساد وانتقاده بجرأة واضحة أصبح علامة جديدة في الصحافة السعودية الرسمي منها والإلكتروني والجديد، كما كانت القرارات الجديدة في منح المرأة حق التصويت والمشاركة في الانتخابات البلدية ومجلس الشورى علامة جديدة على تحولات سياسية جذرية تاريخية على مستوى القفزات عند صانع القرار. والأكثر منه هو تصريحات كثير من المسؤولين بقرب حدوث تغييرات سياسية في العاجل القريب كما صرّح بذلك الأمير مقرن بن عبد العزيز ، وهو الأمر الذي عده الباحث مهنا الحبيل علامة على انتعاش لوعي جديد عند صانع القرار من جهة وعند المواطن السعودي من جهة أخرى (الحبيل، 2011).

نتمنى أن تكون هذه السنة التي انصرمت كما لو كانت أطول سنة منذ عقود، أن تكون تمهيدا لحقبة عربية جديدة يكون رمزها الديمقراطية واحترام الحريات. إن فوز التيارات الإسلامية بكثير من الحقائب الوزارية في كل من مصر وتونس ووعد المجلس الانتقالي الليبي بتحكيم الشريعة، سيكون دلالة مبشرة لما أثر به تطور الوعي السياسي لدى المواطن العربي، إذ لم يعد هناك مكان للإقصائية والكلاسيكية ، وأصبح الزمن والمكان متسعا بشكل كاف للمنافسة الاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى التسامح السياسي لأول مرة منذ عقود طويلة من القمع.

وقد أكون هنا متفائلة بشكل كبير، كما يمكنني أن أكون متشائمة بعض الشيء أمام كثير من الاعتبارات والحقائق التي تظهر هنا وهناك، لكن الأيام القادمة والشهور المقبلة بإذن الله ستتحدث عن نفسها، ونتمنى أن يكون لنا في فضائنا العام السعودي ازدهار مماثل يظهر على صناعة الوعي الفردي والجمعي، وينعكس بإذن الله على صناعة القرار وسير الأمور ، هو ولي ذلك والقادر عليه

____________________

الرياض-21 محرم 1433- 15 ديسمبر 2011

بدرية العبد الرحمن العبيد

معيدة-قسم الإعلام –جامعة الملك سعود

دبلوم عالي صحافة ومجتمع-جامعة شرق لندن

المراجع العربية مرتبة حسب الترتيب الأبجدي:

  1. إنترنت السعودية، 2011، الإنترنت في المملكة العربية السعودية، إحصائية متوفرة على هذا الرابط:

http://www.internet.gov.sa/learn-the-web-ar/guides-ar/internet-in-saudi-arabia-ar

  1. الحازمي، فهد، 2011، “من جنبها، سعوديون يتحدثون عن الثورة المصرية” مقالة نشرت في مدونة الكاتب، متوفرة على هذا الرابط:

http://www.som1.net/?p=2966

  1. الحبيل، مهنا، 2011، “الأمل في تصريح الأمير مقرن” مقالة ، نشرت في اليوم السعودية، متوفرة على هذا الرابط:

http://www.alyaum.com/News/art/37819.html

  1. الحداد، محمد، 2011، “الإسلام السياسي في تونس بعد ثورة الياسمين” فصل نشر في كتاب (من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين)، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى.

  2. الخازم، محمد ، 2010، ” اختراق البرج العاجي، دراسة التحولات الجيوسياسية والتأثير الأيديولوجي في بنية وسياسة التعليم العالي السعودي” ، دار طوى للنشر ، الطبعة الأولى.

  3. المشوح، خالد، 2011،  “التيارات الدينية في السعودية” ، صدر عن دار الانتشار العربي، الطبعة الأولى.

  4. الظفيري، علي، 2011، “السعودية وربيع العرب” ، مقالة نشرت في صحيفة المقال الإلكترونية، متوفر على هذا الرابط

http://www.almqaal.com/?p=369

  1. المحمود، علي، 2011، “المتطرفون والمرأة، أزمة التأويل ومأزق التهويل”، مقالة نشرت في الرياض السعودية، متوفرة على هذا الرابط:

http://www.alriyadh.com/2011/10/20/article677282.html

  1. المالكي، عبد الله، 2011، ” سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة” / مقالة نشرت في صحيفة المقال الإلكترونية، متوفر على هذا الرابط:

http://www.almqaal.com/?p=922

  1. المسيند ، أحمد، “اصطفاف في التيار الإسلامي حول تطبيق الشريعة وسيادة الأمة”، خبر نشر في صحيفة الشرق السعودية، على هذا الرابط:

http://www.alsharq.net.sa/2011/11/16/13249

  1. عقيل، مها، 2010  “المرأة السعودية في الإعلام، دراسة حول التجارب والتأثير”، صادر عن الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى.

المراجع الإنجليزية:

1.  Baudrillard, Jean, 2002, ” the Spirit of Terrorism: the Requiem for the Twin Towers

Published by Verso , first translated edition

2. Calcutt, Andrew, 1999, ” White Noise: an A-Z contradictions in cyber culture.”

Published by St. Martin’s Press, New York.

3.Deleuze, Jeal & Guattari, Flex, 1987,” a Thousand Plateaus: Capitalism and schizophrenia 

2004 Edition by Antony Rowe,  Wiltshire, UK

4. Gray, John,  2003, “Alqaida and What it Means to be a Modern.

Published by Faber & Faber, UK.

5. Rusten, Sussana, 2011,   “Wadah Khanfar: Be patient with Arab world  “

Report for the Guardian , available here:

<http://www.guardian.co.uk/theguardian/2011/oct/15/wadah-khanfar-al-jazeera-arab-spring&gt;

6.Said, Edward, 1996, ” Covering Islam: How the media and the experts Determine how we see the rest of the world” .

Published by Random House,  New York.

***

 فن التشييء والاختزال…

فن التشيئة والاختزال

السادس من فبراير 2012

للتمييز العنصري دركات كما للجحيم دركات، وأسفل دركات التمييز العنصري هي المرحلة التي يصل فيها العنصري إلى مسخ الضحية إلى (شيء) يختزل فيه من إنسان كامل متعدد الجوانب ، إلى جانب واحد (عضوي أو نفسي أو وظيفي) بحسب المرتبة التي يتفضل بها العنصري على الضحية بتعريفه..

في يوم من الأيام اختزل السود بسبب لون بشرتهم (السبب العضوي) إلى مسمى العبيد ، حيث كان يعبر عنهم ويتحدث باسمهم في الخطابات العنصرية القديمة كأشياء أكثر منهم كائنات حية، وفي أحسن الأحوال، كان يعبّر عنهم كبشر أقرب إلى عالم الحيوان منهم إلى عالم الإنسان المتحضر

لأجل هذه العنصرية في الفكرة، أصبحت هناك عنصرية في الفعل، فظهر الاستعباد وبيع البشر، وشرعن اختطاف قبائل بأكملها لتباع وتشترى وتخدم في المستعمرات، وبالتأكيد انعكست عنصرية الفكرة في القانون، فنظر إلى قضايا حادثة مثل الزواج المختلط  من منظور الفكرة العنصرية ذاتها..وقد عرض الفيلم الوثائقي (بريطانيا المختلطة) الذي أنتجته وعرضته البي بي سي في سبتمبر من العام الماضي صورا تعبّر عن نمط العقل الجمعي الذي سيطر على ثقافة عصر الاستعمار ومابعد الاستعمار.

صندوق الأشياء التعيسة:

وقد يتساءل منا عن السبب الذي لأجله ينسى العنصريون أن من أمامهم هم (إنسان) وليسوا (أشياء)..فتكون الإجابة هي أن تكرار الصورة المنمطة ، والفكرة المغلوطة عن المميز ضده، ترسخ في النفس فكرة شيئية الآخر، في الوقت الذي تتعاظم فيه هيمنة المركز (الأنا) لدرجة ادعاء الألوهية بشكل أو بآخر..

كما إن اعتياد الحياة- والتفكير داخل صندوق محدد الأفكار والألوان والثقافة، تجعل من الصعب جدا تقبل الآخر الذي يأتي مختلفا محملا بكل العناصر الصادمة للوعي المسبق وللخلفية الثقافية المعروفة المألوفة، فيبدأ التصنيف، والمحاولات العسرة واليائسة لمعرفة الآخر وإقصائه، ومن ثم ينتهي الأمر بتشييء الآخر وحبسه داخل صندوق دمى كبير لا يحق له فيه التمتع بامتيازات السيد، ويخرج من هذا الصندوق باشتراطات معينة عندما تتم الحاجة إليه. تماما كما نفعل بالأشياء، كان السادة يفعلون بالعبيد، وطالما فعل الذكوريون بالمرأة .. يخرجان من الصندوق وقت الحاجة، وثم يعادان إليه عند الانتهاء منه..

إنها جهالة الأنا، بمحتويات الآخر، جهالة العنصري، بما يحتويه عقل الضحية، ولطالما كانت الجهالة أساس كل خطيئة، ومصدر كل شر..

عينان لا تريان إلا القشرة:

الفكرة العنصرية تقوم في أصلها على مشكلة في التعريف-المعرفة، حيث ركّبت عينا الإنسان لينظر نظرة واحدة لا يمكنها أن تجتاز ما هو ظاهري..وجعلت هذه العينان السبيل الأول إلى المعرفة …ومن ثم كان دورهما كبيرا في إثراء المعرفة…ولكن دور العين المجردة طالما كان خادعا، خصوصا عندما يرتبك العقل ذو المعارف المسبقة أمام الاختلاف والأشياء غير المألوفة..

إن التشييء والاختزال هما حالة من المعرفة، وحالة من الجهالة في آن واحد..

فعندما تعرف عن الأسود لون بشرته، أو عن المرأة جنسها، أو عن المسلم (فكرته في الجهاد) أو عن البنقالي …أو عن أي أقلية مضطهدة حول العالم، فأنت تنظر لمسرح كامل من ثقب باب، وترى ما هو قطرة من بحر على أنه كل من كل، ثم لا تتورع فيما بعد عن أن تبني على هذه الجهالة (عالما) و (مجتمعا) وأطروحات ونظريات وردود ومناكفات وغيرها  ..

لا ينجو أحدنا من التمييز بأي حال من الأحوال، فكلنا في واقع الأمر عنصريون بدرجة ما، لكن الفارق هو أننا نمارس العنصرية بنسب متفاوتة، أو بطرق خفية قد لا تظهر لنا ونحن نمارسها..

النازيون وقد تحولوا إلى أشياء!

وقد مارس النازيون يوما ما عنصرية مادوية بغيضة ضد المسنين والمعاقين لا تختلف عما عاناه اليهود من الأجناس التي أعتبرت (أدنى) وأقل حقا في العيش والتمتع بامتيازات الجنس المتفوق..

فضربت النازية أبشع صورة في التاريخ الحديث لتشييء الإنسان ، فظهرت لغة عنصرية ذات منطق عنصري دينها وعقيدتها مقارنة الإنسان بالأشياء، في انتكاس كبير للفطرة البشرية، وتجاهل عظيم لكل موروثات الإنسان وجمالياته أيا يكن اختلاف ثقافته أو معارفه..

وقد أظهر فيلم (شندلر ليست_قائمة شندلر-1993) مشاهد أغلبها كان حقيقيا لما جرى في المعسكرات النازية ضد الأقليات الأقل، ويدور معظمها حول تحول البشر إلى كائنات أقل، ومن ثم إلى أشياء، حتى إن النازي الرمزي في الفيلم –الجنرال آموند غوثيه الذي قام بدوره الممثل البريطاني رالف فينيس_ كان يتساءل عن خادمته اليهودية حين اصطرع داخله الضمير والفطرة في مقابل الفكرة العنصرية البغيضة: هل هذه العينان عينا جرذ؟ هل هذا الجسد هو جسد قرد.. هل هو قادر على الإنتاج أم لا…

وهكذا ولا شعوريا، ورغم إصرار الفلسفة النازية على الإعلاء من شأن الإنسان الآري، إلا أنهم وبشكل لا شعوري امتسخوا هم أنفسهم إلى اشياء، حيث صارت قيمة الإنسان كامنة فيما يمكن أن يعمل ويصنع، فأعليت قيمة الشباب في مقابل التعنصر ضد كبار السن، وأعليت قيمة السلامة الجسدية في مقابل الإعاقة ، ولم يعد أحد غير قادر على العمل مستحقا للعيش والاستهلاك في عالم لا مكان فيه إلا للمتجبرين والمتكبرين والعتاولة..

وتجد أن النازية تتشكل وتظهر على كل ثقافة عنصرية استعلائية ، وتتسلح بأسلحتها المنطقية والحجاجية والمادية، بينما منطقها ومبدءها ومنتهاها فكرة التغلب والاستعلاء…مهما حاول المتحدث تلطيفها وتبهيرها بقبسات إنسانية أو نصوص مقدسة.

وفي بعض النصوص التراثية لكثير من المحسوبين على تراثنا الإسلامي تجد تمجيدا لعقيدة الاستعلاء والغلاب في النصوص التي تبرر التمييز ضد الفئات الأقل (كالمرأة والمملوك مثلا )..

وهنا نفهم أن العنصري يجنح إلى تبرير واقعه والسعادة به وإقناع ضحايا هذا الواقع  بأن يكونوا سعداء به، لأن كل شيء في هذه اللوحة العنصرية المشوهة إنما يجري وفقا للمنطق، فالحياة تقتضي أن يعلو بعضنا بعضا وأن يكون أحدنا غالبا والثاني مغلوبا، وأن يحاول أحدهم تغيير هذا الواقع فهو حتما شخص متآمر يريد أن يسرق منا سعادتنا ويغوي عبيدنا ويجريء علينا سفهاءنا ، وهو بالضبط عين ما قاله كفار قريش عن دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم..

من المهم أن نفهم أن أحدا لا يمكنه تغيير واقعه وهو لا يشعر أنه خاطىء ابتداء، ومصيبة الفكر المحافظ هي أنه لا يرى في الجمود والاستاتيكية إشكالا من الأساس، فضلا عن أن تكون عناصر هذه اللوحة الاستاتيكية خاطئة او بحاجة إلى تغيير …

فالذكوري وهو يمارس احتقار الأنثى لا يشعر بأن ما يفعله تمييز في الأساس، بل هو تعامل مع الأنثى وفقا للتعريف الموجود في ذهنه مسبقا، والمستعبد يتعامل مع العبد لا على أنه يتكبر عليه أو يستعلي ، ولكنه يتعامل معه بما يقتضيه التعريف الموجود في ذهنه مسبقا..وربة المنزل تتعامل مع عاملتها المنزلية بنفس الطريقة ليس لأنها لا تخاف الله أو متكبرة في الأصل، ولكن لأن الشغالات ما ينعطون وجه…وهكذا قس..

وحين تتعمق النظرة، وتدلف العين البشرية البسيطة إلى داخل ذلك المظهر المحشور في جلد أسود أو جسد أنثوي أو عينين شرق آسيويتين أو جسد شائخ أو جسد مصاب بالاضطرابات أو الإعاقات، حين تدخل أعمق وأعمق تجد الروح واحدة، والدم واحدا، والخلايا متشابهة.. وتجد شعور الإنسان بالألم والخوف والجوع والفرح والغبطة والأمان والسرور واحدا، بين المميز والمميز عنه..

وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عما يجعل المميز يقول بفعل التميز، وماهو الشيء الكبير الذي لأجله استبيح المميز ضده؟

وسنجد أنها أمور مادية لا أكثر، خارجة عن جهد الإنسان وعمله وشقائه..فالذكورة والجمال والبشرة البيضاء والصحة والعافية والشباب كلها أمور خارجة عن جوهر الإنسان …وكلها أمور تنطفىء … ويمسي التمسك بها شبيها بالتمسك بهيكل عظمي يوشك على الزوال والذوبان..

وتبقى العين البشرية المجردة خادعة …ويرجع البصر دائما ، ولو بعد حين…خاسئا وهو حسير…

من فيلم شندلر ليست

 

 

 

 

 

http://www.youtube.com/watch?v=W74jGQ-CDTE

wonder land

لئن كانت أليس في بلاد العجائب تسقط من تحت إلى فوق، وتاكل كعكة (كليني) لتكبر وتشرب قطرة(اشربيني) من دواء ما لتصغر، وتتفهم هذا كله مادامت في عالم العجائب، فلماذا نستغرب كوننا نتفهم  ونتعايش مع أن يستغرق سفلتة شارع معزوق بالكامل في حي الخليج مدة 4 سنوات …أو أن يتكلف ترميم مطار عددا من المليارات، أو أن تحتكر خدمات الطيران في دولة يبلغ عدد سكانها 30 مليون ، شركة واحدة اسمها الخطوط …

إنها بلاد عجائب، فيها غرائبيات كغيرها من البلدان، ولكن غرائب الآخرين التي كانت تطربنا وأقرؤها في مراهقتي في كتب ومجلات ، تختلف عن واقعنا الذي لا يطرب،،، فأخطاؤنا لا جمالية فيها…

لاجمالية في أن تتدفق أموال ميزانية مهولة إلى جسد الوطن، ثم تتسرب وتنزف من شريانات مفتوحة لا يمكن غلقها، آخر ويبقى الجسد كما كان …منهكا مخروما ومليئا بقصص التقصير ومائلا كوجه مصابٍ بـ(أبا الوجيه)..

لاجمالية في أن يتحول عقلاء القوم ومن كانت أحلامهم تدور حول مواجهة الخطر الأمريكي والغزو الصليبي والمخطط الماسوني، إلى كارهين ومعادين لكل جديد تحت ضغط مشاعر الكبر والهرم والتهميش والشعور بأن البساط قد سحب من تحت أرجلهم…

لاجمالية في أن تكون رياضنا سوداء الهواء بسبب الست ملايين سيارة أو يزيدون …في وقت لا نقل عام فيها إلا خط البلدة وفانات المعلمات التي يقودها متخلفون بلا إقامات شرعية..

لا جمالية في أن تضطر المعلمات إلى ركوب جمس موديل 75 يحرحر فيه مكيف الصحراوي خلف رؤوسهن التي قد تسحق في أي لحظة في وادرين…حيث لا توجد في الوادرينات أي معالم لمستشفيات رعاية طبية أو إسعاف…في بلد تجاوزت ميزانيته ال900 مليار لهذا العام…

لاجمالية في أن نصف مدارس البنات فيها عجز في عدد المعلمات، ويذهب نصف وقت الطالبات في حصص فراغ بينما تتكدس خريجات التخصصات في البيوت في انتظار اتصال طلب (معلمة بديلة) بربع الراتب او نصفه…

لاجمالية أن يظل وطننا بلون الغبار  والإسمنت..

الغرائبيات قد تكون مصدرا للجمال في كثير من الأحيان…

أما غرائبيتنا فقد أتعبتنا، وأشقتنا، وجعلتنا رماديين كلون هواءنا، كلون الفيصلية والمملكة من على الدائري الشمالي، وجعلتنا عابسين كارهين ساخرين بوجعنا الذي لا ينتهي…

جعلتنا غرائبياتنا نبدع في الضحك على ما يفترض به أن يحاكم ويمحى ، حتى لا تأتي أجيال أطفالنا ومن بعدهم ليذكروا حقبتنا كأكثر حقبة غرائبية في التاريخ الحديث…

وتعلمون ماذا؟

حتى غرائبياتنا جعلتنا عقيمين، جعلت معدل العقم يرتفع بين شبابنا وبناتنا، وكأن الطبيعة ترفض أن تستنسخ بؤسنا وألمنا وتناقضاتنا إلى جيل قادم…

حتى الطبيعة ملّت منا وتعبت …وآذنت أن علينا أن نقضي محكوميتنا في هذه الأرض قبل أن نسافر للتراب، وقد فشلنا في مواجهة غرائبنا، وتغيير عالمنا..

سيقول التاريخ عنا أننا كنا أقل ذكاء من أن نتفهم زمننا، وأكثر جبنا في أن نواجه مصاعبه، وأقل شجاعة في محاولة تغييره…

سيقول عنا من سيأتي بعدنا كما كنا مصابين بالوهن …بالعجز عن أن نتفهم الأولويات، وأن نفرق بين ما يريده الغالبون ومايحتاجه المجتمع، وبين ما يريده الله ، وما يريده المنتفعون …

ليس مضحكا أبدا أن نتابع سخريات أبناء الوطن على حالهم المايل…ولكننا رغم ذلك سنسخر، ونضحك …وسنجد في كل يوم هاشتاقا يفتح …وسنسمع تعليقات تجعلنا نتقلب ظهرا لبطن…

وسنسقط من أسفل إلى أعلى كما تفعل أليس…وسنأكل كعكة (غيرك ينقص وأنت تزودي) لننتفخ وننتفخ ونعظم حتى نملأ الجزيرة…

ثم نشرب بعدها من كأس المشاريع الوهمية والميزانية التي نتسمر لأجلها ونترقب بشغف نغمة أيقونتنا الملكية (سليمان العيسى) وهي تبثنا البشائر والخيرات …

ونصغر ونصغر حتى نعود حبات رمال في تراب هذا الوطن …

ذاك الذي نحبه …ولا ندري متى سيبادلنا الحب…

لماذا تجارة الكتب بور في خليجنا الحزين؟

لفت انتباهي ملحوظة نشرها الأخ الكريم ماجد البلوشي في إحدى تغريداته حول ضعف توزيع الكتب المتعوب عليها في الكويت …ولقد ذكرتني هذه التغريدة بحالة النشر العربي الخليجي مقارنة بالنشر في دول عربية أخرى أقل اقتصادا وأضعف حالا،

 

ففي معرض الرياض الدولي للكتاب لا تتجاوز دور النشر الخليجية أربع أو خمس ممرات متخصصة غالبا في الكتبالتراثية أو كتب الأطفال، وباستثناء مراكز بحثية أو دور نشر أثبتت وجودها بقوة المال والبزنس (جرير والعبيكان مثلا) أو بتميز وجودة المحتوى (مركز المسبار االأماراتي) باستثنائهما وباستثناء بعض الدور الناجحة فلا نكاد نقارن وفرة وتدفق النشر الخليجي مقارنة بدور النشر السورية -المغاربية-المصرية-اللبنانية،

 

أعتقد أن السبب في أن ضعف النشر في دول الخليج هو بسبب ضعف دورة الفعل الثقافي اقتصاديا ، أي أن الكتاب (ما يوكل عيش ) )في العالم العربي عموما وفي الخليج خصوصا، وتكاد تنتهي علاقة القارىء بالكتاب حين انتهائه من القراءة …

فكرتي هنا هي تحويل الفعل القرائي إلى بزنس ثقافي يدر مالا ومنافع على كل من المؤلف والقارئ، وهو الأمر الذي نكاد نفتقده إلا قليلا في عالمنا الخليجي..

بمعنى ان الكتاب لا تنتهي مهمة تسويقه عند طبعه وعمل عقد توزيع مع المكتبات والمخازن وانتظار القارىءليشتريه ويقرأه ،  بل لابد من ايجاد فعاليات ثقافية تحف و تحتفل بالكتاب وبالفعل الثقافي ..

 بحيث تصبح هذه الفعاليات 1) جزءا من عملية التسويق للكتاب 2) جزءا من الثقافة القرائية للمجتمع 3) بزنس يدر منافع مالية ودعائية لكل المشتركين في عملية قراءة الكتاب (المؤلف-الناشر -القارئ)

 

إنه من الواضح أن مناسبات قراءة الكتب وأندية القراءة لم تصبح بعد جزءا من ثقافتنا الاجتماعية ،،،  كما لا تتبناها المؤسسات الثقافية في بلادنا بشكل مكثف يجعل المجتمع يأخذ هذه الفعاليات بعين الجدية ويحولها الى منشط له موظفوه وخبراؤه وميزانياته…

ومازالت القراءة وعوالمها حكرا على النخب (الأندية الأدبية و الاجتماعات الثقافية المصغرة) بدلا من ان تتمدد وتذهب بنفسها للمتلقي وترفه عنه وتاخذه الى عالمها الجميل..

 وهذا ما يجعل سوق الكتاب في خليجنا يكاد يقتصر على فئات صغيرة من المجتمع،، أهمهم  طلاب الجامعات والنخب الأكاديمية ، وشراذم من دود الكتب الذين ينتهي الكتاب في أيديهم كما ينتهي القرش في جيب البخيل…

 

ليس أنهم بخيلون يا خنت حيلي …ولكنهم افراد مساكين لاحيلة لهم و لا مجال لأن تتحول ادمغتهم المحشوة بالكتب إلى أنشطة فعلية تنعكس على الآخرين في شكل محاضرة أو نادي محبي مؤلف أو نادي قارئي كتاب ما، أو مجموعة قرائية ملتزمة ….

 

 إن عدم تحول الكتاب من مرحلة الأوراق التي خرج من دماغ مؤلف ما الى دماغ قارىء ما، إلى صناعة ضخمة من الدعاية وعمل الأنشطة على هوامش هذا الكتاب، إن بقاء ثقافة الكتاب على وضعها القديم دون تحويلها الى بزنس، هو  ما جعل سوق الكتاب الخليجي يضعف بشكل عام…وهو ما جعل صناعة الكتاب مخسرة بدلا من أن يكون مكسبا للكاتب، والقارئ الذي يأخذ اسم الكتاب ويبحث عن نسخة الكترونية مهربة منه …(هذا ما افعله انا شخصيا ويا للخجل) …

 يجب ان لا تنتهي عملية القراءة عند انتهاء القارىء من كتابه بل يجب ان تمتد وتتحول الى مناشط ثقافية ولو صغيرة بحيث يصبح فعل شراء الكتاب امرا استثماريا اكثر منه مجرد شراء كتاب..

 

تخيلوا لو أن ناشرا ما اعتنى بمجموعة كتب لكاتب ما، فعمل حفلة توقيع للكتاب على شرفه في مكان عام (ما) مع بعض الحاجات الترفيهية المصاحبة وبعض النسخ المجانية ، وأصبحت هذه الفعاليات عادة يبادر إليها الناس ويجدونها ممتعة ومسلية وليس مفتعلة أو مليئة بالنخبوية والنفخة ..كم سيكون ذلك جميلا وكم من عائلة ستغير خطة ترفيهها من التسوق في المول الى زيارة نادي الكتاب أو الذهاب للفعالية الثقافية  …

 

أتخيل أن جذب القراء إلى جنة القراءة بالسلاسل أمرا  ليس سلا، ويحتاج الكثير من الابتكار والمبادرة والتضحية من الناشر، ولكن ثمرة هذه الفكرة حلوة وضخمة للجميع ليس اقلها ان هناك فرصا للعمل والاستثمار ستصبح متاحة لأصحاب الأعمال المتعددة _ وعلى الأخص الدعاية والإعلان والعلاقات العامة_  

 

وستعود هذه المنفعة على الكل بفائدة عظمى…فيتعلم القارئ مفهوم استثمار الكتاب …ويصبح للكاتب شأنه وقدره واحترامه….ويربح الناشرون الذين هم أقل رجال الأعمال مكسبا في خليجنا الحزين…

ريادة الأعمال ، والنسوان مرة أخرى

كنت محظوظة اليوم بمروري على لقاء علمي حول ريادة الأعمال  Entrepreneurship والمرأة السعودية..أجدني رغم محدودية معرفتي وقراءتي المتعثرة في عالم الاقتصاد ، أجدني متشوقة لكل سيرة تفتح في البزنس والريادة والإدارة وغيرها من سوالف السوق الحرة …

 

بدأ الملتقى بكلمة وتمهيد للدكتورة وفاء المبيريك مديرة مركز ريادة الأعمال في الجامعة، حيث _وللمرة الأولى منذ محاضرات كثيرة_ وجدتني أندمج فعليا في ذلك الحديث الجميل حول أهمية ومرتبة ريادة الأعمال في الاقتصادات الصاعدة والمهيمنة ، ومرت بالكثير من الاحصائيات والنماذج المقلقة حول الصعوبات التي تواجه ريادة الأعمال في السعودية ..

 

فهمت أيضا أن نسبة البطالة تجاوزت في السعودية وحدها وفي إحصائية حديثة 29% من عدد الشباب، يمثل نسبة كبيرة منهم خريجون وخريجات جامعيات..

كما علمت أن المملكة تمثل رقم 59 في مجال ريادة الاعمال من بين 149 دولة في العالم، وهو رقم يعتبر متأخرا نسبيا …وبنسبة لا تتجاوز 4.% من أصول الأعمال ، في الوقت الذي تتجاوز فيه نسبة ريادة الأعمال في اقتصادات متقدمة مثل الدنمراك والسويد والمملكة المتحدة نسبا في ال50 بالمائة وفوق…

دعت الدكتورة وفاء المبيريك إلى التعرف على منظمة الGEM

GLOBAL ENTERPENIRING MONITOR

والتي تقدم أرقاما دقيقة حول رحلة ريادة الأعمال حول العالم وأبحاث مفيدة بخصوص الظروف الاستثمارية التي تولد وتموت فيها الفرص…

 

دعت الدكتورة الى التفريق مابين الأعمال الصغيرة ومابين قطاع ريادة الأعمال، حيث تعتبر فكرة الأخير أكبر وأقوى وأكثر تميزا من فكرة الأول، وكلاهما يستلزم انتشار ثقافة العمل الخاص من جديد ، وثقافة ريادة الأعمال من جهة أخرى، واستزراعهما في الوعي الاقتصادي للجيل القادم من شبابنا وبناتنا..

 

إن فكرة المال السريع والسهل الذي يأتي مع الوظيفة هي فكرة صعبت الأمر كثيرا على مجال ريادة الأعمال في السعودية…وبالتأكيد تلك الظروف الاستثنائية الاجتماعية والتاريخية التي تجعل نسبة الأعمال الخاصة إلى القطاع الحكومي صغيرا نسبيا …

ربما دامت مداخلة الدكتورة وفاء أقل من 10 دقائق ولكن ثراءها وتناثرها فوق ورقتي البيضاء جعلني أشعر بها تدفعني لمزيد من التداعيات، ربما أسجلها لكم فيما بعد …

بين عبدين، عبد المنزل وعبد الحقل

بين عبدين- عبيد الحقل وعبيد المنزل:

في تحليلاته للذات السوداء وتسليطه الضوء على نضال السود في حركة الحريات في ستينيات القرن السابق، فرّق مالكولم إكس بين نوعين من العبيد في سياق النضال من أجل الحريات، النوع الأول يمثلهم عبيد الحقول الذين كانوا يقاسون مفهوم العبودية بكل أبعاده، من الفقر والمرض والإجهاد والاستعباد بالإضافة إلى الحرمان من التعليم والحقوق المدنية كالتصويت أو المشاركة والتمثيل السياسي، وهي الحقوق التي كانت وإلى قريب من الحرب العالمية الثانية حكرا على البيض الذكور من البروتستانت، مع استثناءات كثيرة يمكن معرفتها بقراءة مستفيضة في ذلك التاريخ.

بينما النوع الآخر من العبيد فيمثلهم عبيد المنازل، الذين كانوا يعملون داخل المنازل كخدم وبستانيين وطباخين ومربيات أطفال، فبحكم قربهم من السيد المستعبد كان بإمكانهم الحصول على قليل من الامتيازات كالتعلم والأكل الجيد والفرش الوطيئة ما داموا يحسنون التصرف ضمن المعايير التي يضعها لهم السادة، ومصير العصيان أو الخطأ في الحالتين قد لا يكون مختلفا.

ذكر مالكولم اكس أن السادة البيض اعتادوا حينما يثور عبيد الحقول على أوضاعهم المزرية أن يندبوا إليهم عبيد القصر-أو عبيد المنزل، فهم في النهاية رجال من بني جنسهم ولونهم وأقدر على التفاوض معهم وأكثر قدرة على فهم إنجليزيتهم المكسرة وأقدر على معرفة نقاط ضعفهم وخوفهم من أجل أن يفاوضوهم .

ومادام هؤلاء العبيد يعيشون ظروفا افضل نسبيا ، ويكونون قد حصلوا على امتيازات بسبب اقترابهم من السيد الأبيض، من ضمن هذه الامتيازات احترام نسبي –ليس مساواة- بحكم العشرة وبحكم القدرة على الوصول إلى أدوات الوعي الأبيض، فإنهم أكثر خوفا على فقدان هذه الامتيازات القليلة من عبيد الحقل الذين ليس لديهم شيء ليخسروه. وفي النهاية، وعندما نشبت حروب حقيقية بين المناصرين لحقوق الملونين وبين العنصريين (وقد كانوا الصوت الأعلى والأقوى) كانت هناك حرب حقيقية بين أبناء الجنس الواحد ناتجة عن متلازمة (عبد المنزل وعبد الحقل) .

وكلاهما عبد في النهاية، وكلاهما ليس له حق المساواة بالسيد الأبيض، وكلاهما انتزعت حريته ويمكن بيعه في أي لحظة مع ممتلكات المنزل، كما إن كلاهما لا يتمتع بأي من امتيازات الرجل الأبيض ، ولكن نزعة البقاء والإخلاد إلى الأرض والأمن النسبي داخل قصر السيد كانت أقوى من نزعة الكرامة البشرية والرغبة في تحسين الأوضاع الصحية والاجتماعية داخل الحقول.

تتضمن المفاوضات بين عبد المنزل وعبد الحقل نظريات وحجاجات منطقية في مسألة المساواة ، تدور كلها حول فكرة أن السود لا يحتاجون أصلا لحركات المساواة، وأن حياتهم التعيسة في الحقول هي أفضل بكثير من الحيوات التي لم يعيشوها كأحرار في القارة السوداء، بالإضافة إلى كثير من النقاط الأساسية في تأصيل مفهوم العبودية  من ضمنها:

_الجبرية وضرورة الخضوع للقدر الذي خلق الأسود أسودا وجعله عبدا للرجل الأبيض ، وكان هذا المفهوم يروّج ويبشر به في الكنائس السوداء التي شهدت الكثير من التحولات العقدية والشعائرية إلى أن وصلت إلى ماهي عليه الآن. (ويشبه هذا المفهوم الجبري في كثير من نقاطه نظرية الجبرية وآثارها السياسية في الفكر الإسلامي ) .

_ البيض أقرب دينيا إلى الخالق، بينما السود (أبناء حام) جنس مغضوب عليه بنص التوراة.

_ البيض يستحقون ما يتميزون به ، إذ هم الجنس الأكثر جهدا والأكثر حظوة بخلاف الجنس الأسود الأكثر كسلا وهمجية وإغراقا في الفوضى بحكم ظروفهم التاريخية.

_ البيض هم من كتبوا التاريخ وهم من صنع المعجزات والمخترعات ، بينما لم يقم السود بأي من ذلك .

_ البيض أكثر تعليما، وأكثر قدرة على الكلام والمنطق، بخلاف السود الذين جاؤوا من قبائل همجية وثنية لا تعرف للتواصل البشري أي سبيل.

تم تعزيز هذه النظريات والحجاجات التي تبرر اضطهاد السود في الأدب والقصص الشعبي والموروثات الاجتماعية كالأمثال السائرة، فانتشرت الروايات التي تتحدث عن آكلي لحوم البشر والتي سجّلها المبشرون والإرساليون المسيحيون في مذكراتهم للقارة السوداء، حيث كان عملهم ثقافيا في نشر الرسالة المسيحية مثلما عمل كثير منهم كسماسرة وأدلّة لتجار العبيد. وبهذا تم تأسيس صور عامة عن الجنس الأسود (ستيريوتايب) وتخيل لوحات فكرية عميقة ومعقدة يصبح فيها الرجل الأبيض ضحية للمتوحشين السود ونهمهم اللا نهائي إلى لحمه. وقد أستفاض إدوارد سعيد في وصف آلية الإنشاء والتأسيس في ثلاثيته (الاستشراق-الثقافة والإمبريالية- تغطية الإسلام) .

بل إن رحلة التمييز لم تتوقف في  بداية القرن العشرين عندما شاركت المملكة المتحدة بمواطنين سود في الألعاب الأولمبية، حيث لم يكن من الغريب أن تسمع المعلق الرياضي يبرر فوز اللاعب الأسود بكونه مازال (أقرب للحيوانات وعالم الغابة ) من منافسه الأبيض.

وهكذا، وبقدرة عالية (خطابية واقتصادية وفكرية) يملكها الرجل الأبيض ، تم توظيفها ببراعة لإلغاء الأعراق الأخرى، فتم تأسيس صورة في مقابل صورة ، ووعي مقابل وعي، وتاريخ مقابل تاريخ، إذ تم إنكار وتجاهل تاريخ كامل لحضارات قديمة صنعتها أعراق وقعت تحت سيطرة الرجل الأبيض ، ولم يتبق منها إلا آثار قليلة ظهرت فيما بعد في الموسيقا والرقصات واللغة وفيما بعد –أعني من بعد منتصف القرن العشرين_ في الرسم وصناعة السينما..

http://www.youtube.com/watch?v=NTyp0t51el8

خطبة مالكوم إكس حول مفهوم عبد المنزل وعبد الحقل

سيداتي الباحثات الجميلات..ماذا دهاكن؟

على هامش مؤتمر المرة مالها وماعليها…

سمعت كغيري عن المؤتمر عبر تويتر، وتابعت الهاشتاق الذي كان يتابع تفاصيل المؤتمر منذ اللحظة الأولى..

أن يقام مؤتمر من قبل مركز نسوي ناشط امر يثلج الصدر وينبىء بولادة وعي حقوقي لدى المرأة السعودية من كل الطبقات…

كما هو اعتراف ضمني بوجود مشكلة في مسألة المرأة السعودية، كما كانت الاخبار وتفاصيل الأوراق التي ألقيت والتي تابعناها على تويتر جيدة ومنها ما نتفق معه ومنها ما نختلف طبعا،

وأثلج صدري أكثر مشاركة عدد من الأسماء المعروفة في مجال النشاط النسوي، وتخيلت كيف تقوم هذه السيدات الفاضلات الجميلات بكتابة أسمائهن في التاريخ السعودي بكل لطافة وأنوثة وجمال… وما أجمل أن تقوم سيدة منهن بجمالها الفكري الواثق لتلقي ورقة عمل وكأنها فنان مشغول البال بهمّ لوحته …

تابعت هذه السيدات الجميلات ، وتابعت وتابعت (على تويتر طبعا) إلى أن وصلنا  إلى إعلان التوصيات …

والتوصيات-وربي- اتت محبطة للغاية من عدة أوجه:

فغالب هذه التوصيات هي جزء من عرائض قدمها حقوقيون وحقوقيات في حقل المراة ، وقد تم رفعها إلى ما يسمى بـ_مقام_ الملك… فلا ادري ما الجديد او الاكتشاف العظيم الذي لاجله عقد المؤتمر ودعي إليه الأمريكان وسفارتهم وصرف عليه كذا وكذا وكيت وكيت /

أكل ذلك من أجل أن نطلع في النهاية بعريضة استعطاف لمقام الملك مشابهة لعرائض سابقة؟؟؟

دعوني لاأسرف كثيرا في موضوع التذمر من فيروس الزبرقة والهدر المؤتمراتيين الذي أصيبت به أغلب المؤسسات الفكرية في بلادنا حتى النسوية والمحسوبة على الإسلامية منها…ولكن خلونا في التوصيات..

خلت التوصيات من القاء الضوء على النقاط الاكثر حساسية في موضوع المراة وهي زواج القاصرات والحقوق المتعلقة بالزواج (العضل والتزويج بالاكراه) بالاضافة الى حق الفسخ عند الضرر وحق الخلع، بالإضافة للتفاصيل المالية المتعلقة بالمهر وإلزام الزوجة برده أو الافتداء من الزوج بمئات الألوف من الريالات في حال أن القاضي لم يقتنع بقضيتها..

وكأن هذه المواضيع _ وهي في صميم موضوع المرأة السعودية وجوهر معاناتها _ أمور لا وجود لها، او أن هناك خوفا ما من الحديث عنها والإمساس بها، او أنها من الأهمية والكبر بمكان لا يتسع لها مؤتمر لها وعليها ..

كما خلت التوصيات من اي اشارة لموضوع الذمة القانونية للمراة في ظل نظام ولي الامر، وقد تابعت في تويتر ان الدكتورة نوال العيد تطرقت لهذا الموضوع وبجراة غير معهودة، ولكن فقط في مجال المال والمبايعات، أي أن ولي الأمر مرفوض في المال، ولكن مقبول في أمور أهم من المال مثل التوقيع على إجراء العملية الجراحية أو الحصول على حق التعليم أو الحصول على وظيفة…

ودعونا في المالية التي أسهبت فيها د.نوال العيد مشكورة مأجورة بإذن الله، ودعونا نرجع مرة ثانية إلى التوصيات…

فقد خلت عريضة المطالب من التطرق لموضوع الوكيل الشرعي وكونه إجباريا في وزارة العدل، بالإضافة إلى إلزام الوارثة بتوكيل وكيل شرعي للحصول على حقها في الإرث..!!!

لن أتحدث عن مسألة المعرف الذكر وإلزاميته، وعن قرار اعتماد البطاقة الوطنية للسيدات في المحكمة والغاء شرط المعرف وصورية هذا القرار وعدم إلزاميته في المحاكم حول المملكة….لن أتحدث عن كل ذلك…

ولكن خلونا في ما تم النقاش حوله من حق المراة في أن تبيع وتشتري دون الرجوع لوليها..

لماذا خلت التوصيات من أي إشارة للنازيّة النظامية ضد المرأة السعودية المتمثلة في شرط الوكيل الشرعي وإلزاميته؟؟

هل المسألة أيضا مسألة إحجام؟ أم مسألة أن المقام لا يتسع ؟ أم أن الإيجاز في التوصيات يغني عن الخوض في التفاصيل الأكثر إيلاما؟ ولطالما كانت الآلام في التفاصيل؟

توجد توصيات كثيرة عن الحقوق المالية للمرأة استغرقت عامة التوصيات ، وهذا جيد ومقبول،  ولكن اين ما هو اهم وأقرب للهم النسوي ؟؟

وهو موضوع الامن المنزلي؟ حق المراة في الأمن النفسي والبدني داخل منزلها ؟

هل أثير موضوع العنف الأسري؟؟ حق المرأة في القصاص من الزوج المعنف؟ وكيفية حل المشكلة قانونيا وعبر الأدوات العدلية مثل هيئة التحقيق والادعاء العام والقضاء؟

ماذا عن قضية حضانة الطفلة بعد السابعة وهي قضية شائكة في القضاء أخجلت الوطن وأخجلت المواطن وحان الوقت للتصدي لها بدلا من الحديث عن الغرب ومؤامراته ؟

ماذا دهى هاته النسوة الجميلات الفاضلات المؤتمِرات؟

لماذا خلت التوصيات من المشاكل الأصلية للمرأة السعودية وركزت على جانب المالية؟

من المؤلم أن تأتي التوصيات على هذا القدر من الإحباط ،

وقد كنت اتمنى ان تكون الاخوات المشاركات في مركز باحثات -وهن أقرب لقلوب المجتمع وقبوله- أقدر على إيصال صوت المرأة المعنفة والمعضولة أو المزوجة بالإكراه أو من فقدت حضانة طفلتها لمجرد بلوغها السابعة ، أو ضحية الاغتصاب، أو ضحية الحرمان من التعليم والعمل…

فهذه أولى مليون مرة بالحديث عنها من مكانة المرأة عند الرومان وكيف اعتبرها المسيحيون شيطانة ومعدلات الاغتصاب والاجهاض في الولايات المتحدة…

لن تنهض أمتنا قبل أن تتعلم نساؤها كيف ترتبن أولوياتهن الحقوقية..

ولن تنهض سعوديتنا قبل أن تتعلم نساؤها كيف يعترفن بمشاكلهن دون خجل، ودون أن يستحضرن قصصا -صحيحة أو مختلقة- عمن يحسدونهن من الغربيات المسكينات ضحايا الحرية والمساواة …وغير ذلك من عوائق تكوين الوعي النسوي السعودي..

وجود نساء فقيهات عالمات بالشريعة بقدر ماهو مشرّف وجميل وبقدر ما هو دليل على تقدم الفكر النسوي السعودي، إلا أنه من جهة أخرى حجة علينا وعليهن إن استمر وضع المرأة الأمني والقانوني والاجتماعي والاقتصادي في انحدار …

فالتاريخ يكتب الآن أيتها السيدات الباحثات الجميلات …

ولمستكن الأنثوية الجميلة الطاهرة على هذا التاريخ ، ستتمثل في دعوة لكنّ بعد سنين وربما قرون من الآن ، بأن رب ارحمهن كما أسسن عهدا من العدالة والكرامة للمرأة السعودية..

اللهم أرني وإياكن الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجعلنا من الراشدين

ألف باء المحط والتمحيط_

مقالة قديمة نشرتها في جريدة اليوم عام 2006

ألف باء المحط والتمحيط!

والعنف في بلادي ليس (ظاهرة) أو (مشكلة) مرتبطة ببعد واحد من أبعاد حياتنا النفطية..

ولكن العنف بكل أبعاده (لغة) و(سمة) و(مورّث) ملتصق في ثقافتنا العربية حتى الصميم، لامجال للتخلّص

 منه ولاحتى بتعديل وراثي جذري..

هنا ربما أبدو مبالغة جدا في تحميل ثقافتنا العربية وزر الاتسام بالعنف واللاحوار والااستماع، أو مايمكن

 التعبير عنه بـ(الاتصال من جهة واحدة) أو (نصف الاتصال) الذي يكفينا بكل أسف عن نصفه الآخر. وهو

 الأمر الذي يفرز العنف الأسري وتكريس السلطة الأبوية _من البيت وحتى الدائرة الحكومية_ بكل

 أشكالها، ويجعل منهما ممارسة مقبولة إلى حد كبير إن لم تكن ممارسة مطلوبة ومثيرة للاعتزاز ومعبّرة

 عن الأصالة.

لأن العنف بكل أنواعه (أسري/ ثقافي/ سياسي..إلخ) لم يكن مشكلة مرتبطة بالعرب كجنس أو بالمسلمين

 كثقافة وفكر، ولكنها كانت وماتزال مشكلة سائدة في أكثر دول العالم تحضّرا وتخلّفا في آن واحد بلا فرق في

 معدلاته بين المتحضّر والمتخلّف، ولعلّك تجد العنف في بلاد أخرى يمتد إلى حد الإضرار بالحياة حد القتل

 والجريمة وهو أمر قد لاتجده إلا نادرا وفي صفحة الحوادث في جرائدنا العربية المثيرة..

لكن الفرق في ديارنا العربية وفي عقولنا ليس في حدوث العنف الذي يحدث بشكل أكثف وأكبر في بلاد بره،

 ولكن أن يصبح العنف سمة ثقافة، وأمراً دالا على الثقافة، وعندما _في السياق الشعبي_ يكون العنف

 الأسري أمراً مثل (سلام عليكم) ودالاً في أكثر الأحيان على كمال السلطة والقوامة والسيطرة وحسن

 الإدارة، وفي أحيان أكثر، أن يعتبر العنف حلاً ووسيلة لإنهاء المشاكل بدلاً من أن يكون هو في ذاته

 مشكلة..

والمرحلة الثالثة الأخطر والأفظع من حديث العنف في حياتنا هو أن يشرعن له ويؤصل بالقوة من نصوص

 الشرع ، على غرار الأثر الموضوع “لايسأل الرجل فيم ضرب امرأته” و”علّقوا السوط حيث يراه أه

ل الدار” ونحوها من الفجائع المنسوبة إلى نبي السلام والمرحمة صلى الله عليه وسلم..

بحيث بدلاً من أن يصبح العنف مشكلة ، أو يقتصر كونه حلاً، فإنه قد يصبح عملا صالحاً بقوة لي النص

 وابتسار الأحاكم الشرعية، بحيث يصبح العنف صناعة عربية إسلامية مية بالمية لاتستحق المقاطعة كما في

 إعلان كي دي دي..

هذا ليس فقط مشوّها لثقافتنا العربية، ولالديننا الإسلامي الحنيف الذي يعلّمنا أن الله تعالى يعطي على الرفق

 

 مالايعطي على العنف، وأن ادفع بالتي هي أحسن، وأن لاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن.

ولكنه مشوّه لحياتنا الجميلة التي يفترض أن تكون متسمة بالفهم الصحيح للإسلام، وليس مااخترناه

واصطفيناه من بين كل أحكام الإسلام المفهومة بالمقلوب.

إذن فالبلاء حين نريد الحديث عن العنف وعن إفرازاته وحدود سلطة الأب على البيت والزوجة والأطفال

 لاتبدأ من محاولة تحديد العنف ومتى تعتبر الممارسات الأسرية داخلة في حدود العنف ومتى تعتبر ممارسة

 أبوية عادية ولو كانت من جنس (طراق) على الخد أمام من يسوى ومن لايسوى..

ولكنه يبدأ من العقلية العربية القديمة ذات الخوف الكبير والصبر النافد الذي يحل المشاكل بشكل فوري

 سريع بضربة سيف ومحطة سوط، أعني عقلية السيف والأنطاع التي تمتد في أحلامنا وعقولنا وتخبرنا أن

 العاجز من لايستبد، وأن الظلم من شيم النفوس وأنه أمر فطري لاتكاد تستقيم نفس بدون أن تمارسه ولو

 لماماً..

كيف يمكنك أن تستغرب وجود انتهاكات حقوق الإنسان في السجون والدوائر الحكومية وفي الشوارع وفي

 كل مكان عربي جداً وأنت لاتستغرب قيام أب بتفريغ غضبه على أجساد أطفاله أو زوجته في البيت او في

 الشارع أو في أطرف مكان، وكيف يطالب أحدنا بتحسين مستوى تعامل الناس وأن تصبح ديارنا ديار

الحسنى والطوبى السياسية والاجتماعية ومايزال لايخلو أغلب بيوتنا العربية والمسلمة من أداة للعنف

أو الـ(تأديب) لاتقل عن خيزرانة حاضرة بشكل طبيعي كفرد من أفراد المنزل، وأن تباع هذه الأدوات

 وتشترى في محلات مرخّصة بلا خجل أو تورّد، وكأننا نمارس تكريسا وتخليدا متعمّداً لإنتاج الخيل

والبغال والحمير لتركبوها وزينة.

ذلك أن الخيزران والتمحيط لاينتجان أشخاصا يحترمون ذواتهم وينتجون حضارة ويراقبون أنفسهم

 من أنفسهم بعيون مركّبة في السماء، بقدر ماينتجان أفرادا برؤوس قابلة للدرعمة والإدارة من بعيد،

بحاجة إلى رقابة دائمة وخيزرانة لاتنام مرفوعة على الدوام حتى لايحصل ثمت انحراف أو محاذير أو

 أخطار..

فإن فعلتها تلكم الرؤوس وتمرّدت وتنمردت وأرادت أن تقول (لا) بطريقة ولغة مناسبة لسياقنا العربي

 الخيزراني الأصيل، فلاأفضل لقول (لا) من حزام ناسف ينسف بيوتا ويأيم نسواناً وييتّم ولدة، ويعود

كما أبدى، والليل أليل..

أنفسنا هم أنفسنا..الذين صنعنا قاتلينا ومجرمينا وإرهابيينا بأيدينا وبخيزراناتنا المشرعة على الدوام فوق

 طاولات مدارسنا التي لانتحرك منها إلا للحمام ضروري ضروري، نفسنا الذين يبدؤون ليلات زفافهم

بنحر القطط وتوضيح القوانين ومايفعل ومالايفعل، ونبدأ حيوات أطفالنا بتلقينهم جزاء من لايسمع كلام

ماما وبابا، قولا أو فعلا، نفسنا الذين في ملاعبهم ومبارياتهم يتراشقون ويتوالون ويتعادون ويكره

بعضهم بعضا في النادي ومن أجل النادي،نفسنا الذين يحسدون إيران أن أصبحت القوة النووية التاسعة

 في العالم ويرون في امتلاك النووي أقصى مايتمناه واقع عربي ممزق أليم..

هكذا يصبح الماحطون والماحطات بعضهم أولياء بعض…يستحي أكثرنا في بيوتنا من الكلمة الرومانسية

 الطيبة، ولكنه لايستحي من الكلمة الشينة العنيفة…

ومخرجهما واحد…لو لم تكن لدينا كثير من قلوب لاتعرف إلا نوعا واحدا من الكلمات…

وحتى حين نفعلها ونمارس حباً أو رومانسية ما في نصوص أدبية ما فإنها لاتخرج عن مسار لغتنا

 التمحيطية الجميلة اللائقة بنا…

لذلك لم أفعل غير الابتسام حين سمعت أحد الشعراء الشعبيين يلقي أشواقه الفائرة الجميلة صائحاً:

” لعن أبو جدهن يامحلا براقعهن” ..!

شغل الحريم!

شغل الحريم!

الاحد 09 ذو القعدة 1431 الموافق 17 أكتوبر 2010

شغل الحريم!

بدرية العبد الرحمن

لفت نظري (ويلفت إلى ما شاء الله) أنه دائماً ما يحال إلى المؤسسات الحكومية ذات الإدارات النسوية بالتشدّد في أمر المصروفات، والفوضى، وقلة الخبرة، وقلة المرونة في التعامل مع الموظفات، بالإضافة إلى إرهاق الموظفات بالمهام؛ بخلاف الإدارات الرجالية التي ترتبط بالحنكة والمرونة والصرف الكريم وشغل المروءات في منح الاستئذانات والإجازات والتوظيف والبدلات وخارجات الدوام، بالإضافة إلى ما يمدح به المدير الرجل من توفير سبل الراحة لموظفيه وتخفيف التكاليف؛ لدرجة الدوام بدون دوام!

يمدح المدير الرجل دائماً وإن أخطأ، وتُنتقد الحرمة وتُساط وإن أصابت. وإن وقع الاثنان في نفس الخطأ فهي منه غلطة شاطر، ومنها (شغل حريم)!

المثير للسخرية هو أن هذه المقارنة تنتشر بلا خجل في البلدان العربية التي يسجل الفساد فيها معدلات فلكية مثيرة للخجل بين بلدان العالم، والتي تحتل جامعاتها وتعليمها المراكز الأخيرة في التصانيف الأكاديمية، وهي نفسها البلدان التي تملك بلا فخر نسبة بطالة تتجاوز الـ 30% من عدد الشباب والشابات الأقل من (35) سنة، كما هي نفسها البلدان التي تضخ إليها ملايين لابأس بها من العمال الأجانب بإقامات شرعية وغير شرعية، وهي -على ذلك الحال المبروك- بلدان تُدار100% بأيدي رجالية، ولم تبلغ الحرمة الخرقاء فيها منصباً أعلى من منصب وزيرة أو وكيلة وزارة.

لا أستغرب أن تسود هذه اللهجة في بيئة لا تنتظر من المرأة أي إنجاز، وحين يوكل إليها العمل -نداً لند مع الرجل- فإنها يتربص بها الدوائر، وينتظر منها الخطأ والزلة وإن لم تفعله. وحين يحصل الخطأ-الذي يحصل من كل إنسان- فإنه يُشار إلى جنسها الموصوم وعقلها المخروم على أنه هو أساس بلائها وقلة إنجازها ودبرتها.

إن هذه القصة الطريفة الخالدة في تاريخ البشرية لهي قصة ثقافية كبيرة، أكبر من حجم نكتة تطلقها موظفة منهكة بائسة، وهي قصة أعظم من حديث عابر يسوقه موظف حكومي بين زملائه ليحمدوا الله على نعمة البطالة المقنّعة.

إنها لقصة تتكرر في كل ظاهرة إمبريالية من قديم الزمان، أعني، في كل مكان يوجد فيه مركز مسيطر مهيمن يملك الميكروفون والصوت والصلاحيات، وأقليات مهمّشة لا تملك الصلاحيات ولا الأصوات ولا الميكروفونات.

الأقليات التي يُنظر إليها من علٍ، وتكسَّرُ أجنحتها بحجاجات عنصرية منتهية الصلاحية.

تذكرني وصمة (الإدارات الحريمية) في بلادي بالسؤال الذي وجهه الأخ (حسين علي) مقدم برنامج (حديث الأمة) على قناة (الإسلام) البريطانية، والذي تساءل فيه – وبغضب بريء- عن السبب الذي يدعو الوسائط الإعلامية العالمية إلى ذكر دين الإسلام حين ينفذ أحد المسلمين هجمة إرهابية في مكان ما، بينما لا تذكر أديان إرهابيين آخرين:

“إننا لنعلم أن ظاهرة الإرهاب في التاريخ لم ترتبط بالمسلمين وحدهم، ولاحتى في

التاريخ الحديث. لقد سمعنا وقرأنا عن الهجمات التي نفذها جهاز الشين فين الإيرلندي في الثمانينيات الميلادية، وعن الهجمات التي نفّذتها عصابات الهاجاناه ضد العرب في فلسطين في منتصف الأربعينيات والخمسينيات، والهجمات التي نفذها هنود متعصبون ضد مسجد بابري، وعملية تيموثي ماكفيه المشهورة في أوكلاهوما، والتي كانت دوافعها انتقامية دينية، ولم نسمع أحداً يشير إلى إرهاب كاثوليكي- إرهاب يهودي- أو حتى إرهاب هندوسي أو بروتستانتي؟ لماذا المسلمون وحدهم هم من يُشار إلى دينهم وكأنه هو الدافع لذلك الهجوم أو ذاك؟”.

من منكم يريد أن يجيب عن سؤال حسين علي؟

أنا سأجيب

– الحيطة الهبيطة:

الأقليات العرقية والدينية والجنسية في أغلب الأحيان لا تملك من أمرها شيئاً؛ فهي لا تملك وسيلة النفوذ الأساسية (المال والإعلام) التي تمكنها من تأكيد ذاتها، وتمنحها الفرصة التي يملكها المركز المسيطر.

فمثلاً: في بلاد كان فيها السود يُجبرون على الجلوس في مؤخرات الباصات، ويُمنعون من استخدام مغاسل البيض، كان من الطبيعي والطبيعي جداً أن يصبح سواد البشرة مرادفاً للفشل والأمية والبدائية والهمجية.

وكنتيجة لذلك: لم يكن غريباً أن يكون سواد البشرة أحد عناصر الاشتباه في حالة وقوع جريمة ما؛ لأن السود كانوا في أيام التمييز العنصري -حيطة هبيطة- يلصق بهم ما ليس فيهم، ويُقال عنهم ما لا يملكون تفنيده بسبب ضعف صوتهم وقوة صوت العنصريين.

والحال نفسه في ثقافة تملك صورة متماسكة عنيدة للمرأة رسمها ميراث طويل من الانتقاص والاستلاب. فالمثل (شاوروهن واعصوهن) يجمل حجم الغبن والتقزيم لجنس كامل، ببساطة؛ لأن هذا الجنس هو (حيطة هبيطة) صامتة ومستكنة وغائبة بقوة حضور المركز الذكوري.

ولا يجهلنا أن قصة تنميط المسلمين والثقافة الإسلامية مردّها إلى قوة الوسائط العالمية السائدة المهيمنة، المدارة بأيدي صهيو رأسمالية.

فالمسلمون وثقافتهم ودينهم ما هم إلاّ (آخر) غائب وغير موجود على طاولة الحديث أصلاً، وبالتالي، يمكن الحديث عنه واغتيابه وتصويره بالسوأى في الوسائط المتصهينة دون حرج أو تأثيم؛ لأن المسلمين ببساطة هم الحيطة الهبيطة، التي لا تُرجى ولا تخاف، ولن يسمع صوتها ولو صاحت بالصوت الرفيع.

لأجل ذلك، حين يقع الأسود في الجريمة يُقال: لأنه أسود..

ولا يُقال لأبيض وقع في نفس الجريمة بنفس الملابسات: فعلها لأنه أبيض!

ولأجل ذلك، حين يخطط مسلم لعملية إرهابية يُقال: لأنه مسلم..

ولا يُقال لمسيحي أو يهودي أو هندوسي يخطط لعمل إرهابي لنفس الدوافع: فعلها لأنه مسيحي أو يهودي أو هندوسي!

ولأجل ذلك، حين تقع امرأة في منصب إداري في خطأ ما، يُقال: لأنها امرأة..

ولا يُقال لرجل وقع في نفس الخطأ بنفس الظروف: فعلها لأنه رجل!

قد يسأل سائل: مادامت الصورة العنصرية عن الأقليات غير صحيحة ومجحفة في الغالب، فلماذا تترسخ في العقل الاجتماعي بهذه القوة لدرجة أن تتحول إلى عقيدة؟

عقيدة يصبح بها من يؤمن بحق الأقلية أو من يحاول تفنيد الادّعاءات العنصرية حولها كمن جاء شيئاً فريّاً؟

أنا سأجيب هذه المرة أيضاً

_ التنميط (الستريو تايب) ابن أثيمٌ للتكرار:

يحفل تراثنا المسموع والمروي بقصص وأمثال وأشعار موضوعها الأساسي هو تنميط الأقليات الإثنية والجنسية وجعلها نماذج بشرية ناقصة ومشوّهة، الأصل فيها أن تخطئ، و الاستثناء هو أن تنجح أو تقوم بالشيء الصحيح.

ولعل قصة الرجل الذي أوصاه والده بثلاث: أن لا تخاوي (عبد) أي أسود البشرة، وأن لا تعطي سرك حرمة (امرأة)، وأن لا تنام في الشعيب، أفضل مثال على دور القصة والمثل السائر في تثبيت الصورة الشوهاء حول أقليات محدّدة.

ويأتي الإعلام بوسائطه الجديدة: التلفاز، والمذياع، والجريدة، والفيلم السينمائي، وفيما بعد الإنترنت، والموقع الإخباري، ومقطع اليوتوب، وصفحة الفيسبوك… والخ الخ.

يأتي الإعلام ليساعد على ترسيخ ظاهرة التنميط والإجحاف بحق الأقليات بطريقة أكثر احترافاً.

في التسعينيات مثلاً، ظهرت كومة من الأفلام العنصرية التي نمّطت المسلمين ومسختهم إلى كائنات غبية تحتقر النساء متعطشة للقتل والجنس.

والنتيجة، أنه حين حصلت حادثة تفجير أوكلاهوما في منتصف التسعينيات ظهرت من الغد سيناريوهات مستعجلة تحلل وتفصل في الجماعات الإسلامية التي يُحتمل أنها دبرت للحادث، وظهر على التلفازات محللون هرائيون وحمقى يُلقّبون بـ(خبراء في الجماعات الإسلامية).

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر (تيموثي ماكفيه) الجندي الموتور المسؤول عن الحادث ليجعل من (هوليلة) وسائل الإعلام العالمية حول المسلمين ودورهم في الحادث (نكتة الموسم).

ولكن هيهات أن تكون هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة التي تغلط فيها وسائل الإعلام بحق المسلمين؛ فالمسلمون ما هم إلاّ إرهابيون حتى إشعار آخر، ومواطنون سيئون ولو نسجوا سجّادات صلاتهم من ألوان العلم الأمريكي، وإن لم يفعلوها في أوكلاهوما فهم قد فعلوها في فيلم (أكاذيب حقيقية)، وفعلوها حين اختطفت منظمة التحرير الفلسطينية طائرة الركاب المدنية الإسرائيلية في الثمانينيات، وسيفعلونها لاحقاً طال الزمان أو قصر.

والأمر نفسه ينطبق على كافة الأقليات المنمّطة، فهي وإن ظلمت أو ألصق بها ما

ليس فيها فهي جديرة بالوصم، ليس فقط لأنها لا تملك المكروفون والصوت، ولكن لأنها لا تملك قوة التغيير الاقتصادي والمجتمعي، ووجودها في المجتمع لا يعدو كونه وجوداً تكميلياً يمكن استبداله بغيره من العناصر الاجتماعية..

-وراس مالها حرمة!

يوجز هذا التعبير العنصري قصة التنميط من رأسها إلى رجليها، فالشخص المتورط في تنميط الأقليات  المستضعفة يقوم بعملية اختزال لهوية الشخص المستضعف أو (الآخر) حسب تعبير إدوارد سعيد.

فسواء كان هذا (الآخر) هو مسلم، أسود، امرأة، عامل، أو شغالة أندونيسية، فهو يُختزل من إنسان كامل يحمل جوانب معقدة من هويته تستحق الاعتبار والاحترام، إلى جانب واحد متضخم وعنيد في الخطاب العنصري المهيمن.

إن هذا الاختزال المجحف لا يغمط (الآخر-المستضعف المظلوم) حقه ويشوّه صورته فحسب، بل يجعل من الشخص العنصري أضحوكة كبيرة متحركة من الجهالة والتمركز الغبي حول الذات.

إن هذا الغمط والبطر يجعلان الإنسان العنصري عاجزاً عن تقدير الآخر وما يمكن أن يفعله من خير أو شر. ودونكم مثال الحادي عشر من سبتمبر، والذي جعله فيلسوف فرنسي مشهور مثالاً على: كيف يمكن للمركز أن يقتل نفسه، وكيف يمكن للطغيان أن تنقلب عليه الطاولة التي يجلس عليها من حيث لا يحتسب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون..

إن ما يحصل الآن من صعود صوت الأقليات واستحواذها على الميكروفونات بقوة الإعلام البديل (الإنترنت والقنوات الرقمية المستقلة) جعل من العنصريين نكتة حتى أمام أنفسهم، وجعل الكبرياء والطغيان ولغة الدبابات والطيارات والازدراء التي احتقنت على مر عقود تتحول إلى غباوة لا معنى لها ولا قيمة لها في عصر الكلمة الحرة والحوار الحر.

ولننتظر تاريخاً قادماً مشرقاً لا ترتفع فيه الأصوات العنصرية التي تستقي وجودها من احتقار الآخرين والتفنن في رسم الصور الغامطة عنهم، تاريخاً مشرقاً ترتفع فيه أصوات المساواة والحوار والكلمة الحق التي أرادها الله تعالى للناس جميعاً.

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

نقتله…نعم نقتله!

نقتله…نعم نقتله..

لا أظن أنه كان من قبيل المصادفة بث الحلقة التي تحدّثت عن ترويج الفكر الإرهابي في بريطانيا في برنامج مراسلون dispatches

في القناة الرابعة في أول يوم من رمضان . لقد كانت معايدة  لئيمة من القناة الرابعة للمسلمين حيث تعمل هذه الشبكة على مدار العام بسياسة (أجرحك وأداويك) مع مسلمي بريطانيا والمهاجرين من العالم الإسلامي عموما، وكل ذلك من أجل دعم قرار تحجيم الهجرة من العالم الإسلامي وجنوب آسيا بالتحديد.

لكن ما عرض في الحلقة لم يكن ملفّقا أو كاذبا أو من كيس المراسِلة التي اختبأت تحت نقاب وعباءة لتدخل قسم النساء في مسجد ريجنت بارك وتكتشف وجود (أم أميرة) التي تلقت تعليما دينيا لم يتجاوز الثلاث سنوات في المسجد النبوي بالمدينة، ويظهر صوتها واضحا وهي تتحدث لمجموعة من النساء المسلمات عن حد الردّة ووجوب قتل من يغيّر دينه:

_من فعل ذلك فإنه كافر، ومن هو كافر ماذا نفعل به؟؟نقتله…نقتله…نعم نقتله..

يحدث هذا في الوقت الذي أكّد فيه أحمد الدبيان رئيس المركز الإسلامي أن أم أميرة لم تحصل على إذن بإلقاء هذه الدروس في مسجد ريجنت بارك، وأن منهج المركز لا يمكن أن يتبنّى أفكارا من هذا النوع فضلا عن أن يروج لها في المملكة المتحدّة..

الحلقة بكل وضوح كانت تشير إلى السعودية حكومة وفكرا ومنهجا بأصابع اتّهام عريضة في تصدير فكر العنف وإنتاج نماذج تحض على العنف واللاتعايش مثل أم أميرة، وعدد من الدعاة البريطانيين الذين تصر الحلقة أنهم تلقوا تعليمهم الديني في السعودية، علما بأن أم أميرة يتضح من لهجتها حين تحدثت العربية أنها ليست سعودية على الإطلاق..وأكثر منه أن دراستها المزعومة في المسجد النبوي لم تكن تتعدى حضور جلسات الإجابة على الفتاوى التي يجيبها عدد من المشايخ، وهي رغم كل ذلك حسبت على السعودية وسجّلت الحلقة كلامها العجيب على أنه إدانة للسعودية..

الحقيقة أن ما جاءت به أم أميرة وما تحدّثت عنه من انتقاد لمن لا يرتدين الحجاب حسب مقاييسها وتصديها للفتوى وإفتائها للنساء المسلمات (البريطانيات مولدا وحياةً) بأن عملهن وسط الكفّار لا يجوز، وأن كراهية الكافر أمر ضروري وأن المسلمين لا يجوز أن يصادقوا الكافرين، كل ذلك ليس بدعا من كلامها، وأكثر منه وصف بريطانيا (التي تقيم فيها وتعمل فيها وتأكل من إنتاجها و تستطب في مستشفياتها وتحمل جواز سفرها) ببلاد الشر ليس شيئا تفرّدت به أو ابتدعته، فجماعات العنف التي تنسب للإسلام وتتبنى فكرة العنف والبغضاء لغير المسلمين هي جماعات ولدت في عالمنا الإسلامي في غفلة من الزمن والمعرفة الدينية الصحيحة، وصدّرت بطريقة أو بأخرى لأماكن أخرى من العالم يناضل المسلمون فيها من أجل البقاء وإثبات حسن نواياهم وصدق مواطنتهم للأراضي التي أتاحت لهم حرية العبادة وإقامة المساجد وانتخاب ممثلين لهم في البرلمانات ..

كل هذه الجهود الجبّارة التي يبذلها المسلمون للبقاء والتعايش والمحبّة في الغرب يهدمها أفراد لا يفقهون من الإسلام روحه ومقاصده الكبرى، ويقرؤون القرآن الكريم لا يجاوز تراقيهم..

المحاضرات والندوات التثقيفية التي تعقدها المؤسسات الإسلامية في الغرب لتوعية الشبيبة المسلمة بأهمية المواطنة وواجباتها وأهمية الولاء للوطن وكونه جزءا من الإسلام ، المعارض التي تقام للمسلمين وتحاول فرض وجودهم وإبراز إنتاجهم وصوتهم المتسامح وإدانتهم للعنف ودعمهم للوطن، كلها تذهب سدى، في تصرّف فردي أحمق يضخّم ويصوّر في حلقة من برنامج يشاهده الملايين حول العالم..

فالقرآن الكريم الذي حرّم العدوان والظلم وحث على التقارب البشري والسلم والسلام واحترام العهد والميثاق ليس مرجع هؤلاء المتخلّفين الذين يتحدثون عن الكراهية كركن من أركان الدين بدعوى الولاء والبراء، ولا يقرؤون آيات الولاء والبراء كاملة ولا يفرقون بين الكراهية  وبين التبرؤ من أعداء الله ومن يحارب الإسلام، ولا يفرقون أكثر بين مفهوم المصادقة وبين التولّي المرادف للخيانة، وهم في كل الحالات كما فعلت أم أميرة، يظهرون بوجهين لا يصف أحدهما الآخر.

فهي (أي أم أميرة) حين دخلتْ مجموعةٌ من غير المسلمات للمسجد تحدثت إليهن برفق وبلين عن احترام الإسلام للأديان الأخرى وعن المحبة والتسامح، وحالما خرجت هذه المجموعة اجتمعت مع المسلمات (تلميذاتها) وذكرتهن بأن ما فعلته  لا ينافي مبدأ الولاء والبراء، وأن دينهم (الذي قالت قبل قليل انه محترم) مقزز وغير صحيح!

في مشهد يعزّ علينا تصديق أنه يمكن أن يحصل من إنسان يشهد بأن لاإله إلا الله ويقتدي بصفوة الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم!!

وسواء كنا نختلف أو نتفق معها في كيف تنظر لأديان الآخرين، ولكن السؤال هو : لماذا ظهرت بوجهين وقالت قولين ينقض أحدهما الآخر في زمن لا يتجاوز الربع ساعة؟؟؟

هذه اللقطة أخرجت _باحتراف_ لتقول للمتلقي البريطاني: لا تثق بالمسلم مهما كانت عذوبة كلماته، فهو يملك أن يكذب وينافق ويتقلب بوجهين من أجل ما يظن أنه نصرة دينه!!

وهي التهمة التي تسمعها ضد المسلمين في وسائل الإعلام الغربية المؤدلجة ضد المسلمين: النفاق والظهور بوجهين!

لقد تم تسجيل كلامها بكاميرا مخفية في حقيبة المراسلة، وحين تمّت مواجهتها به بعد حين تراوحت إجاباتها مابين أنها كانت تتحدث عن تطبيق حد الردّة في دولة وحكومة إسلامية خالصة، ومابين أنها كانت تخبر المسلمات بما يحفظ هويتهن المسلمة وأنها لم تكن تحرّض على العنف أو على  التمرّد على قوانين بريطانيا!

الحلقة تراوحت مابين إدانات للسعودية والفكر السعودي من معارضين سعوديين، ومن أئمة مساجد وعلماء مسلمين بريطانيين يتهمون السعودية بتشويه الإسلام ويعزون المشكلة إلى طبيعة الفكر السعودي، ومابين تبرؤٍ تام من المتحدث باسم المركز الإسلامي البريطاني أحمد الدبيان من كل ما يمت للفكر الإقصائي الكاره والمروّج للعنف بصلة..ومابين عرض لكلمة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في إدانة الإرهاب والعنف ..

ولكن رغم أن الحلقة حاولت أن تبقى متوازنة أو أن تظهر الحياد وإنصاف كل الأطراف ، إلا أنها (وكعادة برنامج مراسلون) تبقى عيارا إن لم يصب …فإنه يدوش…

وكانت الحلقة إحراجا جديدا وعبئا آخر يضاف  على عواتق مسلمي بريطانيا الذين لم يعد من الغريب أن تقرأ لبعضهم وهم يهاجمون السعودية بوصفها مصدرا للفكر العنفي والنسخة الأصولية اللا روحانية من الإسلام، رغم أن السعودية عانت بدورها الأمرّين من الإرهاب وأدانته بشكل كافٍ وكافحته بكل الوسائل..

إني أتساءل بحجم الألم الذي انبعث فيّ وأنا أتابع الحلقة:

هل ستحدث دويّا كافيا في وعي المتلقي السعودي ليعرف أن العالم بدأ يتململ منه وهو لا يعرف شيئا عن حقيقته؟

هل نحن حقا نبدو مصدرا لما تجلّت عليه أم أميرة وبقية الدعاة المحسوبين على الإسلام في كاميرا مخفية؟

هل نحن حقا نكره الآخرين ونحتقر أديانهم ونعتبرها مقززة؟

هل يمكن لنا أن نتقبل فكرة أن نهاجر لبلاد غربية ثم بعد أن تمنحنا حقوق المواطنة نلعنها ونصفها بموطن الشر؟

هل نريد أن نفرض قراءتنا الخاصة للإسلام على المجتمعات الأخرى عبر هذه النماذج المتخلّفة المحسوبة علينا بالغصب؟

أم ماذا؟؟

أترك الإجابة لوعي القارىء..والحلقة الأليمة والتي أخرجت بشكل احترافي للنيل من المسلمين والإسلام والسعودية  مازالت متاحة على موقع القناة 4 في برنامج مراسلون، ومتاحة بشكل مجزأ في موقع اليوتوب، لتكون شاهد علينا لإدانتنا بتقصيرنا في تبيان حقيقة ديننا وإسكات الأصوات الكاذبة المبشّرة بالعنف والبغضاء  والغدر باسم الإسلام.

اللهم هيء للمسلمين من أمرهم رشدا وقهم شر الناعقين ومشوهي دينهم ومن ينطقون عن آخر الكتب وسيد وآخر المرسلين بالسوأى..أنت وحدك من ندرأ بك في نحورهم ونجعلك وكيلا عليهم وأنت على كل شيء وكيل..

ورمضانكم أطيب..

نشرت في مجلة الإعلامية 8-9-2008

الحيوانات الفسقانة!

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
الحيوانات الفسقانة
السبت 18 ذو الحجة 1430 الموافق 05 ديسمبر 2009
الحيوانات الفسقانة
بدرية العبد الرحمن

من خلال معلومات الصيادين التي تزودني بها القنوات الوثائقية، تعلمت أن أشد الحيوانات افتراساً وعدوانية وإخافة لا يمكن أن تهاجم الفرائس إلاّ حين تكون جائعة أو خائفة من العدوان. ربما هذا ما يفسر كون تلك الحيوانات تحافظ على وزنها ولياقتها لفترة دورتها الحيوية كاملة غير منقوصة، ولا تعاني من السمنة وما يترتب عليها من انسداد الشرايين أو الترهل أو آلام المفاصل أو الألم النفسي، فهي في نهاية الأمر تنفذ وصية أُوصينا بها من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بشكل طبيعي غريزي: لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع.

وإنها لفلسفة كبرى لم نفهم منها –كعادتنا- إلاّ توجيهاً نبوياً جانبياً يدور بين المكروه والمستحب في آداب الطعام وحده، توجيه لا يؤثر غيابه ولا حضوره في شخصياتنا مادمنا محافظين على العقيدة السليمة والشعائر.

ربما نحن في داخلنا لا نحترم الحيوانات، وخصوصاً السباع منها، وعني شخصياً فأنا أرتعب لمجرد رؤيتها على الشاشة  أو على صفحات المجلات والكتب. ولكنني لا يمكنني على الرغم من كل ما أشعر به تجاهها إلاّ أن أستغرب من: كيف تنظّم أغلب الحيوانات بقاءها وتوازنها الطبيعي دون تدخل من وزارة صحة أو طبيب أو منظمة بيئة أو ثورة اجتماعية. إنها لا تقتل – وهي مهيئة لكي تقتل وتقتات من ذلك- إلا حين تحتاج للقتل، وهي حين تفعل ذلك تفعله بقدر الحاجة، لا تزيد عليه، ولا ترمي بقايا طعامها في الزبائل. ومن ثم تضخها حين تضيق بها إلى المحيطات.

لكم خدعنا نحن البشر بخدعة الإنتاج والعقل الواعي السامي الذي يحركنا، ويجعلنا فوق كل المخلوقات، ونسينا في مجمل ما نسينا أننا في النهاية أجساد بسيطة لها احتياجها الذي طالما سدته وسوف تسده لقيمات، وأن الإنتاج الغذائي الهائل الذي نتباهى به، ونظن أننا بحاجة إليه لنسد جوعنا وجوع الجائعين حول العالم كله قد أتى معه بأمراض وطفرات أحوجتنا إلى علاجات وأبحاث دائبة لا تنتهي، يقتات منها أطباء وباحثون ومصانع أدوية منها الصادق ومنها من يشتري بالعلم ثمناً قليلاً. وفي النهاية نجد أننا في سعينا الإنتاجي الدؤوب لم نكن محكومين بالعقل الواعي بقدر ما كنا محكومين بالجشع والشفاحة على الكسب والاستعلاء والمعارج الاجتماعية التي عليها يظهرون.

وبسبب أننا لسنا كالحيوانات التي (غريزياً) تكتفي حين تكتفي، ولا تأكل إلاّ حين تجوع، بسبب أننا محكومون بعقل واعٍ أوهمنا بخدع خطابية كالثقافة والهويّة والأنا والعزّة والتمكّن، بسبب هذا العقل الواعي أمكننا أن نجيّر الكوكب ومصادره الطبيعية -التي طالما أمكنها أن تطعم كل المخلوقات- من أجلنا وأجل جنسنا الأناني فقط. وفي سعي دائب أناني بشري من الدرجة الأولى لإشباع البطون وملئها، انتقلنا من مرحلة ذبح بعضنا البعض واستعباد بعضنا البعض بالحديد والنار من أجل قطع أرض أو ثروة، إلى مرحلة سرقة طعام ومصادر بعضنا البعض بقوة القانون الدولي، وقوة القواعد  العسكرية البحرية، وأموال الشركات المتعددة الجنسيات. وخلصنا في نهاية الأمر إلى مرحلة استنزف فيها أكثر من 30% من مصادر الكوكب لصالح ما لا يزيد عن 34% من سكان العالم، هم سكان دول الشمال أو بتعبير ألطف (الدول المتحضرة).

والقصة لابد أن يكون لها نهاية، ولأن تكدّس الأموال في أيدي هوامير السوق الحرّة ليس نهاية مرضية أو مقنعة، فإنه من الطبيعي أن يتم خلق الاحتياجات قسراً ليتم إعادة هذه الأموال في دورة لا تنتهي، وبالتالي تسمع نداء جشعاً داخلياً يخبرك أنك لا تستطيع أن تعيش دون جوّال جديد، دون ملابس فخمة، دون شنط ماركات، دون ساعات غالية تغيّر كل كذا شهر، دون برنامج تشغيل حاسوب جديد، دون عمليات تجميل تصقل أنفك وتشفط دهونك، وتجعل بشرتك بلون الذهب، “والحسّابة بتحسب”!!

هكذا يتم خلق الاحتياجات خلقاً وقسراً وعبر وسائط مرئية ومسموعة لئيمة تقتحم عليك قناعتك ودارك، وتخبرك كم أنك قبيح وناقص وجائع ومظلوم، وأن عليك أن تتحرك لتشتري ماكينة الحلاقة هذه لتصبح بوسامة ممثل الإعلان، وأن تطلي وجهكِ بهذا الكريم المعيد لشبابك حتى يعود زوجك الناكر إلى وجهكِ الجميل، وأن توفّر على نفسك التعيسة العناء بشراء هذه السيارة التي تهفو لها قلوب صبيّات الإعلان، وأن ترحمي يديكِ من سطوة منظفات وقاتلات الميكروبات التي تطاردك وتطارد صحة أطفالكِ، وتكتفي بسائل التطهير هذا، وأن ترخي ظهرك المسكين المتصلّب فوق كنبة ليّنة ضخمة أمامها شاشة باتساع جدار هو أكبر حتماً من جدار شقتكما البائسة.

لم تكن كلمة (احتياجات) إلى وقت قريب تعني أكثر من لقمة حلال وشربة هنية ومأوى آمن، وفي تعريف منظمة العفو الدولية يدخل التعليم العام والمساواة الاجتماعية وحق الانتخاب والتصويت في جملة الحقوق الأساسية والاحتياجات التي لابد لكل مواطن عالمي من الحصول عليها. ولكن الاحتياجات أصبحت بفضل المال الحر الجشع المتعدد الجنسيات إخطبوطاً يخنق الإنسان، ليحتار حقاً هل هو يعيش حقا ًعبر هذه الاحتياجات، أم هو يعيش ويشقى  بهدف أن يسدّ هذه الاحتياجات؟

الطمع والتفاخر والخيلاء واللا قناعة وكل الغرائز القبيحة أصبحت هي أخلاقيات عصر السوق الحرة التي يستمد وجوده منها، لا الدين، ولا كل الخطابات الاجتماعية الأخلاقية أمكنها أن تكسر هذه الغرائز القبيحة، أو حتى تخفف منها أو حتى تجعلها قبيحة في عيون من يشاهدها، ولأجل أنها لم تعد قبيحة بعد اليوم، أصبحت تتشكل كل يوم، كل فصل وكل سنة بشكل آخر، وتصبح بقدرة قادر (احتياجاً) لابد أن يسدّ وإلاّ…

وهكذا يمكن لفستان يُصمّم ويُخاط في إحدى بوتيكات فرنسا أن يطعم عائلة كاملة لمدة شهر وأكثر في الهند وباكستان، من العائلات التي تقف أفرادها بالساعات تحت الماء لحصد الأرز الذي تنقيه وتفرزه أيدٍ صغيرة تتقاضى أجوراً تساوي قروشاً وهللات في عملاتنا الكبيرة المتضخمة، ومن ثم يتم تصديره وتوزيعه في محلات التموين الكبرى الهائلة التي يرتادها الملايين من المنفوخين، ليملأ نصفه بطوننا الشرهة، ويُرمى باقيه في الزبائل لتأكله القطط المتشردة التي بدأت تشاركنا هذا الشره، وتتقاسم معنا ألم الشحوم المتراكمة والأنانية وألم المفاصل أيضاً..

هل كنا بحاجة لكل هذه القصة الطويلة لكي نبقى ونكون سعداء؟

إن حاجة البشر للخلق والإبداع والتفاوت والتنافس حاجة لا مفر منها، ولكن الكارثة تحصل حين تتحول هذه الغريزة والقدرة العجيبة على الخلق التي وهبنا الله إياها إلى قاتل بطيء للقضاء على وجودنا ووجود المخلوقات معنا على الكوكب. إنّ الطمع والشره الذي أخرجنا من جنة عدن هو غواية شيطانية خارجة عن ذواتنا البشرية الفطرية، ويمكننا باستلهام نماذج من كائنات تجاورنا أن نعرف أننا لسنا بحاجة إلى خلق ما لا نحتاجه، ذلك أن خلق ما لا نحتاجه يجعل العبء أكبر، والنفس أكثر انشغالاً واضطراباً بما هو آت. وأكثر من ذلك كله، يجعل النهاية القادمة لجنس البشر على يديه حتمية، كالخراف التي ترعى، وتكدس الشحم في أجسادها البريئة وهي لا تدري أن ذلك جاعلها من المذبوحين أو الهالكين، بيدها أو بيد السكّين!!

ميشيل أوباما وخربوطة حرية التعبير

إرسال إلى صديق

طباعة أضف تعليق حفظ

ميشيل أوباما وخربوطة حرية التعبير..

الثلاثاء 12 محرم 1431 الموافق 29 ديسمبر 2009
ميشيل أوباما وخربوطة حرية التعبير..
بدرية العبد الرحمن

غوغل بجلالة قدرها تعتذر لمشيل أوباما عن صورة (نُشرت) تظهرها بوجه قرد!

رأيت ذلك في (البي بي سي) قبل أيام وتساءلت كثيراً: لماذا جرى الأمر بهذه الصرامة عندما تعلق الأمر بميشيل أوباما؟!

مهما يكن هذا العمل مسيئاً ومشيناً ومؤذياً لامرأة بلطافة ميشيل أوباما وحضورها الدائم البهاء، إلاّ أن سؤالاً بحجم شركة غوغل يطرح نفسه قائلاً: وماذا عن مئات الصور المشينة المسيئة لشخوص أكثر أهمية من السيدة أوباما؟!

ودعنا نبدأ بالصور المسيئة لنبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- والتي هي متاحة على محرك البحث بأكثر من نسخة، بل يمكنها أن تظهر فور كتابة اسم (محمد) بالعربية أو الإنجليزية، وهو نفس ما اعتذرت عنه غوغل لأوباما بخصوصه، أن صورة مسيئة تظهر بمجرد كتابة اسمها!

دعنا نعرج على الصور المسيئة للسيد المسيح -عليه السلام- والتي تُرسم وتُنشر من قبل متعصبين ملحدين أو معادين للأديان، والتي تظهر بنفس الطريقة التي يعاني منها كثير من الشخوص المحترمة والمقدسة، والتي تشكل الإساءة لها إهانة متكررة حتمية لأتباع دين ما أو أتباع قومية ما…إهانة لا تحرك ساكناً، ولا تدفع شركة كبرى لاعتذار، أو حتى تحرّك لحذف وتطهير الشبكة من صور مسيئة..

لا تسأل عن الصور والمقالات المسيئة والعنصرية للعرقيات والطوائف والأديان المتعددة، بله الإساءات المتبادلة بين المتطرفين من الذكوريين والأنثويين، وما يتبع ذلك من تساؤلات معقدة عن ماهية الإطار الأخلاقي الذي يحكم عالم المعلومات، وعن هذا الشيء العنيد المسمى (حرية التعبير)، والذي نسمع به فقط حين يأتي الحديث عن حق (إهانة) الأديان والأنبياء والذات الإلهية.. وليس مناقشتها بلغة راقية لا تجرح أحداً، ولا تهين معتنقاً لهذه الديانة أو منتمياً لذاك العرق أو ذاك الجنس..

كلنا سلّمنا للأمر حين تعرضنا لصدمة عصر المعلومات، وأصبح الإنترنت مرتعاً للتراشق والإساءة بين كل الأفراق التي كانت تتناحر وتتفاهم بالسيف والبندقية قبل قرون وعقود، وكلّنا سلّمنا لحقيقة أن كل واحد منا كبر شأنه أو صغر، من أي دين وأي طائفة وأي أثنية معرض لأن يكون ضحية للإساءة والإيلام من قبل صغار العقول وعديمي المروءة..

ولكن ما الذي اختلف بالنسبة للسيدة الأولى؟!

ولماذا أصبحت هي ومن دون الكل من يتم تتبع الصور المسيئة لها لحذفها وتطهير الشبكة منها؟!

وهو مالم يحدث في حالة الرسوم المسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- والتي تمخضت عنها كراهية وأعمال عنف ومظاهرات طويلة عريضة..

هل الإساءة لفرد واحد بعينه- ولتكن السيدة أوباما- ستكون أفدح من الإساءات المتاحة المتكررة لشخوص محترمة مقدسة؟!

ألم تكد حالة الرسوم المسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وآله- أن توفي بالعالم على مشارف حرب؟!

الإساءة التي طالت أخص مقدسات الإنسان لم تعنِ غوغل في شيء، ولم تُعتبر عملاً غير مناسب وغير قابل للنشر قبل أن تجرح مشاعر السيدة الأولى – وحُقّ لها- ولعل هذا الاعتذار العلني الغوغلي يشي بوجود سلطة خفية يمكنها أن تتدخل، وأن توقف هذه الخربوطة المسماة بحرية التعبير عند حدها، وحين يصل  طول اللسان واليد إلى الناس الكبار..

وحين يتعلق الأمر بالضعفاء والمهمَّشين من أتباع الأديان والمنتمين لعرقيات وطوائف تُهان ويُساء لها بشكل اعتيادي، فلتكنْ حرية تعبير، ولتكنْ ديموقراطية وتعدّدية، ولتكنْ كل شيء مما يتشدّق به الأسياد..!!

أما عندما يتحدث المال والسلطة، فإنها  تخشع الأصوات، و لا تسمع إلاّ همساً..

واعتذاراً…وفوقه حذف للصورة المسيئة، وتتبع محترف لآثارها في أطراف الشبكة المتمدّدة..

ليس غريباً بل أجده طريفاً أن تظهر أخلاقيات التكنولوجيا بهذا الوضوح والنّفاق، ولطالما خانت الشركات الكبرى أخلاقياتها المتلوّنة كحرية التعبير والنشر حين يتعلق الأمر بمصدر كبير للدخل (كما حصل عندما وافقت غوغل على حجب الصور الإباحية والمواقع المعارضة للحكومة الصينية)، أو حين يتدخل الأمر بشخصية فوق الجميع كالسيدة أوباما التي ينطبق على قصتها قولهم المأثور: لأجل عين، تُحجب مواقع..

ليس فقط تُحذف صور!!

سؤال سعودي جدا: هل التمييز يحتضر؟



سؤال سعودي جداً: هل التمييز يحتضر؟
الاثنين 12 شعبان 1430 الموافق 03 أغسطس 2009
سؤال سعودي جداً: هل التمييز يحتضر؟
بدرية العبد الرحمن

سؤال انقدح في بالي وأنا أعود للرياض: هل الرياض ستكون هي الرياض التي غادرتها ذات يوم، وكنت بعيني أشاهد موظف جوازات يصفع رجلاً أجنبياً من جنسية جنوب آسيوية، ويأخذ جوازه، ويضعه في جيبه، ويكرر صفعه ودفعه وهو يستعطفه ويحاول تقبيل يده واسترجاع جوازه، دون أن يثير هذا المنظر أي استغراب في صالة المغادرين؟!

إلى وقت قريب لم يكن لأحدنا أن يكوّن ذاته كإنسان بدون أن يمارس التمييز العرقي أو الجنسي أو الطبقي كجزء أساسي من تكوينه الاجتماعي. نحن المجتمع السعودي هنا لسنا بدعاً من الأمم الأخرى التي  مارست وتمارس التمييز على مستويات مختلفة، ولكن ربما نختلف _أقول ربما_ في أننا نمارس التمييز ليس كعمل شرير، ولكن كعمل نبيل يفرضه الأصل العريق، أو النعمة، أو في كثير من الأحيان يفرضه شكل محدد من التديّن.

الأمر الأكثر طرافة في التمييز كممارسة اجتماعية أصيلة في الوعي السعودي هو أن عبارات التمييز العرقي والجنسي تتبع أو تعقب بعبارات تدين التمييز كنوع من (استغفار) اجتماعي لا مفهوم لظاهرة تموت ببطء، ونشهد موتها بفضل الله تعالى، وما أفاءه على أهل العصر من وصال اجتماعي ومعرفة لم تعد عصية على أحد.

نعم أزعم أن التمييز بكافة أصعدته يختفي ويتضاءل أمام زحف ثقافة الإنسان الكريم الذي أعلنه القرآن الكريم قبل قرون طويلة.. التمييز يتلاشى تدريجياً- ونسبياً- من حياتنا، ولكنه لم يختف بعد من لغتنا، ومازال مخبوءاً بطريقة أو بأخرى في ذاكرتنا الجمعية، ضد كل ما لا يشبهنا، وإليكم قائمة بلا نهاية من أمثلة من حياتنا اليومية:

تمييز ضد السود الذين مازالوا يسمون عرفاً بالـ(عبيد)، متبوعاً بالاستغفار (وكلنا عبيد لله!!)، ضد النساء اللاتي هن عرفاً (حريم بدون عقول وبحاجة للوصاية الدائمة)، تتبع هذه الحجاجات اللغوية بالاستغفار (لأنهن مجبولات على الضعف والاستكانة والرقة والهشاشة)، تمييز ضد المهاجرين الذين هم (آكلوا خير البلد والوالغين في إنائنا)، والتي تتبع بالاستغفار(وهم معذورون إذ تُركت لهم الأبواب مُشْرَعة للهجرة والعمل)، تمييز ضد العاملات المنزليات اللاتي هن (ينخاف منهن وما ينضمنون ولاعندهم دين ولاحيا) تُتبع باستبراء (استغفر الله ولا نحط في ذمتنا شيء إن شالله)، وأكثر منه التمييز ضد بعضنا البعض أقاليم وقبائل وطوائف، وأحياناً أكثر ضد أنفسنا كشعب متخلّف كسول خامل اتكالي الخ الخ الخ، حيث أضحينا في نهاية دوامة التمييزات كالحطيئة شاعر مرخ:

أرى لي وجهاً قبّح اللهُ خلقه… فقُبّح من وجهٍ وقُبّح حاملُه

وهكذا لم يتبق ما لم نكرهه ونصمه بحكم عام مشفوع بتعميمات ساذجة هي كل ما نملكه من معرفة زائفة رخيصة، تكتسب كأسهل ما يكون، وتترسب كأوساخ عصيّة في وعينا، فلا هي معرفة صحيحة سليمة تغمرنا في واقع منصف حقيقي، ولا هي (جهالة بسيطة) تدفعنا للفضول ومعرفة الأشياء بشكل أفضل،بل هي العصيّة المنيعة الغبية التي سميت بالـ(جهل المركّب)، والتي يؤكد العارفون أنها هي وحدها المفصل العنيد الذي يقف في وجه كل تواصل ليجعله صراعاً بدلاً من أن يكون تحاباً وتعارفاً.

أخبروني: هل هناك ما هو أسهل من أن تكره في كوكبنا المتصل سلكياً ولاسلكياً؟؟

الجواب لا، لأنك _إلاّ في حالات استثنائية_  إن لم تكن مميّزاً متعالياً فأنت ضحية سفلية مميز ضدها، وفي الحالتين أنت مجبر على أن تكره نقيضك؛ لأنه ببساطة ليس أنت، ولا يشبهك في شيء.

وأمر آخر تفرضه حالة الوفرة المعلوماتية العارمة التي يحتفي بها كوكبنا، وهي أن المعرفة إذا كثرت رخصت، وإذا رخصت أصبحت أقل مصداقية، وربما لأنها أرخص، أصبحت أكثر تدويراً ونفاذية وانتشاراً بين المتلقين. وبالتالي لم يكن هناك أسهل من أن تروج صورة الإسلام الكاره الإرهابي التي مثلتها صورة أسامة بن لادن وهو يشير إلى الغرب معلنا الكراهية، وقسْ على هذا المثال ما شئت.

ولأن البشر محترفون في اجتزاء الصور، ولأن الإنسان خلق عجولاً لا ينتظر إلى حين اكتمال الصورة والتبيّن، لذلك كله من السهل جداً أن تتحكم المعارف المجزوءة والمعلومات الخاطئة في مواقفنا تجاه بعضنا البعض.

ولو نظرنا بمعيار عادل لوجدنا أننا نمارس هذا التمييز ضد بعضنا البعض بلا توقف، وعلى قدم مساواة واحدة.

نحن البشر لا نعترف بهذه الحقيقة؛ لأنها أصبحت مخبوءة تحت جلدنا، ولأنه من المستحيل جداً أن ترى العين نفسها بنفسها، وهي تحتاج لمرآة تقول لها إنك هكذا، والحقيقة قد تكون جميلة حيناً، وقبيحة أحايين كثيرة.

وحين يتعلق الأمر بمجتمعنا الذي نتصوّر أنه بسيط وخال من العقد، فإن الأمر ليس جيداً كما يبدو للرائي من أول وهلة، بل إن الواقع يقول إن أحداً بدون التمييز لا يعيش في بلادنا إلاّ شخصاً وحيداً أو غير عاقل، ولو قُدّر لأحد أن يولد ويعيش نظيفاً من موروثات التمييز العرقي والجنسي والإقليمي والطائفي لما استطاع أن يقيم أسبوعاً واحداً بين أظهر الذين يتنفسون التمييز، ويستمدّون منه احترامهم لذواتهم، وهم كثر ولا يزالون كثراً.

وكما هي حالة ما بعد الحداثة المضطربة الهوجاء التي نعيش داخلها، فإن ما نعيشه من انتعاش التمييز، وتعقّد أنماطه ليس إلاّ مظهراً من مظاهر استيقاظ هويات ثقافية كامنة وانتفاضها بالشكل الأعنف والأكثر تطرّفاً مما كانت عليه في فترات كمونها في عقود وقرون سابقة.

فالنزعات العنصرية والذكورية والقومية بشكلها البعد حداثي تبدو قويّة ونافذة بقدر قوة ونفاذية ثقافة المساواة، والتي تمتد وتبشّر بنفسها وتتجذّر -مقبولة أو منبوذة- عبر اللغة والإعلام، وربما السياسة فيما بعد.

وعلى كل حال، فإن التمييز هو مهارة عقلية أساسية في كل الكائنات الحية، مهارة عميقة مراوغة ومغوية، ولا يمكن للإنسان أن يمارس حياة طبيعية دون أن يعرف ما هو الشيء الذي يتعامل معه ولو بقدر معلوم، ونحن نمارس سلاسل  طبيعية لانهائية معقدة من التمييزات أثناء ممارسة حياتنا اليومية مثل:

كائن_ حي_ إنسان_ عربي_ سعودي_ نجدي_ الخ، وحتى تنغلق الدائرة بتكوين الفكرة والموقف الآني، وهذا ليس سيئاً البتّة.

الحقيقة أن الأمر يصبح سيئاً جداً حين تمتد سلسلة التمييز والتعريف لتصل إلى معلومات ضلالية غير صحيحة تساهم في غلق الدائرة، ومن ثم في تكوين الفكرة والموقف، كهذه الدائرة مثلاً:

كائن_حي_إنسان_ أجنبي_ بنغالي _ من بلد متخلف_ مخالف لأنظمة العمل_ يمارس أعمالاً مشبوهة..الخ.

وكهذه التي من جهة أخرى من العالم:

كائن- حي- إنسان- أجنبي- مهاجر- ذو لحية- صاحب عمامة- مسلم- له علاقة بتنظيم القاعدة- إرهابي- شرير- قنبلة متحركة..الخ.

وكهذه الأكثر شيوعاً:

كائن_ حي_ إنسان_ أنثى_ جميلة_ وحيدة_ هشّة وضعيفة_ يمكن الاعتداء عليها…الخ.

ومن الطبيعي جداً أن نتنبأ بنوعية السلوك المترتب على دوائر مشابهة تشتمل تعميمات ومعلومات مضلّة غير صحيحة، ومن الحتمي أنه لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار.

وبقدر ما يمكن لمهارة التمييز أن تفتح الأبواب أمام الإنسان ليستكشف ويعرف ويحب وربما يغتر، ويزدهي بمعرفته المتراكمة، بنفس القدر يمكنها أن تغدر بالإنسان، وأن تجعله عبداً للمعرفة الزائفة والتعميمات الرخيصة التي تخطئ في كل مرة، وتخيب، وتوغر الصدور، وتتشابك الأسلاك والموجات بين الإنسان والإنسان بلا توقف، وتتراكم الأوحار، فلا تموت المعارف الزائفة، ولا يعتبر الإنسان ولا يتوب..

والسؤال الذي أحب أن أطرحه بكل حذر، على الرغم من كل التفاؤل الذي أحمله لهذه القضية بالتحديد: هل سيمنح عصر المعلوماتية الهائلة بني آدم فرصة لينظر بعضهم إلى بعض من جديد بعقل خالِ من أي معارف مسبقة، وبصفحات بيضاء تماماً، ومن ثم يبدؤوا مشوار التعارف من “أول وجديد”؟!

أتمنى وأظن -وهو ليس على الله بعزيز- أن يأتي اليوم الذي نبدأ فيه دوائر التعريف كل صباح بهذه الجملة:

مرحبا بك أيها الكائن، أحب أن أجرّب من أنت!

هل ستنهار جدراننا بسهولة؟

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-41-125081.htm
هل ستنهار جدراننا بسهولة؟
الجمعة 13 جمادى الأولى 1430 الموافق 08 مايو 2009
هل ستنهار جدراننا بسهولة؟
بدرية العبد الرحمن

في نوفمبر القادم سيحتفل العالم بمرور (20) عاماً على الانهيار الكبير لجدار برلين، الحدث الذي أنهى حقبة طويلة من الحرب الباردة والقطيعة الثقافية بين ألمانيتين لا تختلفان عن بعضهما البعض، ولم يفصل بينهما سوى الأيديولوجيا الأثيمة التي ظنت أنها يمكنها تفريق القلوب والمشاعر البشرية بجدار كاريكاتوري رامز إلى خط فاصل بين عالمين وهميين.

وعندما سقط الجدار، أو بالأحرى أسقطه من أدركوا أنه مجرد رمز عابث يرمز لكراهية مفتعلة وحرب غير موجودة في أحيائهم البسيطة وبيوتهم العادية، عندما حصل ذلك أظهرت وسائل الإعلام نساء تبكي شوقاً بعد (20) عاماً من القطيعة، وشباباً يرفعون أحجار الجدار ضاحكين ساخرين ومستبشرين بحقبة قادمة من الوحدة، ورجالاً يقفزون باتجاه الجانب الغربي باكين منتحبين نافضين غبار حقبة أليمة من الرقابة والخنق… وكأن المشهد كله يقول (كفاية) يا عهد الأدلجة المتعنتة.. وكفاية يا عهد المنتفعين منها..!!

هذا ما يحصل دائما في التاريخ الإنساني…حينما تُبنى جُدُر وحدود وهمية وقطائع وكراهيات ينتفع منها البعض ويكتوي بها الكل… ويدرك الإنسان في النهاية أن الكراهية والقطيعة ليست أكثر من قصة مفتعلة… أو هي على أفضل تقدير… سلسلة طويلة من سوء فهم متواصل متراكم يؤدي إلى جدران ممتدة تشوّه التاريخ والجغرافيات، وفي النهاية يهدمها الإنسان عندما يدرك عبثيّتها، وعندما يدرك بأي قدر كان مخدوعاً ومُسَيْطَراً عليه بخدعة الكراهية والعدو المتربص خلف الجدار..

لأن الإنسان في النهاية مثل الماء… يشق طريقه باتجاه بعضه البعض… ويمتزج ويتفاعل في دورة طبيعية لا توقفها السدود ولا الجُدُر إلاّ قليلاً..

إن رمزية انهيار جدار برلين جعلتها واحدة من أجمل النهايات للقرن العشرين. وعلى الرغم من كل القصص النهائية الأليمة الدامية التي انتهى بها القرن السابق إلاّ أن قصة الجدار لا تزال مادة ثرية للنقاش والاستفهام والتذكّر والاحتفال في بلد أحدث تغييراً كبيراً في العالم، وتجاوز إنتاجه القومي في الأعوام السابقة التريليونات من اليوروات…

ويبقى السؤال عن جدراننا الطويلة الممتدة في عوالمنا المتعددة في بلداننا، وفي كل بلد عربي أو مسلم من الجدران والأسوار ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، وما يمكنه أن يسدّ منافذ كل هواء وماء ونموّ وتواصل.. ولا ندري متى يأذن الله لهذه الجدران أن تنهار أو (على أقل تقدير) أن تحدث فيها فجوات يمكن لقليل من الحياة الطبيعية والتواصل الإنساني أن يعبرها..

إنها جدران تتخذ أشكالاً لا تنتهي، عرقية تارة، وطبقية اقتصادية تارة، وانتهت بإقليمية مرّة وعرجت على شعوبية وطائفية أكثر من مرة في تاريخ أمتنا، والقصة لن تنتهي؛ لأن أحداً لا يعلم السبب الذي تتراكم لأجله هذه الجدران. إننا نولد ونجدها شامخة طويلة عصيّة كمَعلم من معالم حياتنا، لاتُسأل فيم بُنيت ولا عمّا تفعله في حياتنا، وبصورة أدق، نجد أننا غير قادرين على تشكيل حياتنا من دونها، غير قادرين على أن نتجاوزها، ولا أن نتخيل أنفسنا خلفها إلاّ عراة خائفين مرتجفين وضائعين، وهكذا تفلح الجدران في إقناعنا أننا لا نستطيع أن نعيش من دونها، وهكذا نتآلف معها ونجعلها جزءاً منّا، وبدلاً من أن تطالها فؤوس ومقالع، تنال تقديراً منّا وحفاوة تشير إلى أن عهد تآكلها بعيد بُعْد النهضة التي نرقبها من عقود وقرون..!!

إن علينا أن ننتظر طويلاً قبل أن تنهار جُدُرٌ مسدلة وقلاع من القصص المفتعلة، تحيط بنا وبحيواتنا المعقدة في بلداننا الإسلامية. وما تجاوزته ألمانيا التي عانت أكثر من أي بلد أوروبي آخر من ترسبات تاريخية أليمة أفرزت حربين عظميين في بداية القرن المنصرم، يمكننا أن نتجاوزه نحن بشيء واحد؛ بإرادة حقيقية للنسيان تقفز فوق رؤوس المنتفعين من نفخ جمر الكراهية في رماد حضارتنا التي تتململ ببطء وتنظر لأعلى على استحياء..

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

بعبع الطاقة النظيفة

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-41-127701.htm

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
بعبع الطاقة النظيفة
الاحد 30 صفر 1431 الموافق 14 فبراير 2010
بعبع الطاقة النظيفة
بدرية العبد الرحمن

أقرأ في كتابات بعض المناصرين للبيئة أن الدول المصدرة للبترول تضغط وترواغ لعرقلة مشاريع الطاقات البديلة، وتعطي  لهذا السبب إحصائيات وتكهنات كاذبة حول مصادر بترول وهمية واحتياطيات ضخمة.. ولأنه كلام إنترنت فإن من مضيعة الوقت إعارته أي اهتمام..

ولكن مادام هناك أشياء ظهرت للعيان ومشاريع جادة لتوليد الطاقة البديلة والنظيفة، ومن إنتاجاتها واستخداماتها الطيبة هي سيارة الكهرب، والتي أتيح لي أن أراها، وأستفسر عن تفاصيل استخدامها (على الرغم من أني لست في مكان يمكنني فيه قيادتها بالطبع)، وكانت فكرتها بكل بساطة نفس فكرة الهاتف الجوال، اشبك بالشاحن، واتركها تقتات حتى الصباح، لتمنحك طاقة كافية لأن تقود ما يزيد على (70) ميلاً في اليوم!

كم هو مثير للتفاؤل أن يتحدث عمدة لندن عن أن هناك خطة لتشجيع الناس على استخدام السيارة الكهربائية، وبانتشار أنموذج السيارة الكهربية وتزايد ضغوطات الجماعات المناصرة للبيئة والناس المتضررين من ازدياد درجة حرارة الكوكب.

سيكون هناك جانب أخلاقي لاستخدام هذه السيارة، جانب سيجعلنا ندفع _ نحن الدول المصدرة للنفط_ ثمناً باهظاً من اقتصاداتنا التي تأسست على النفط، ويبدو أنها عجزت إلى حد كبير عن أن تبدأ إنجازاً في الإنتاج بعيداً عن هذا الأساس..

مخيف جداً أن نفكر أن اقتصاداتنا على وشك الترنّح لمجرد أن هناك من الناس من يؤمن بأن حرارة الكوكب ترتفع بسببنا.. وأنا من هؤلاء الناس حتماً..

مرعب أكثر أن نتخيل سيناريوهات يتم فيها عمل مؤامرات طويلة المدى، وبروباغندات ضد الطاقة النظيفة، وربما فتاوى، كله من أجل ضمان ضخ ما تبقى في آبارنا وأكل ثمنه، وليس إعادة إنتاجه بطبيعة الطبع البترودولاري..

كثيرون أزعجونا بسيناريو ما بعد نفاد النفط… و على الرغم من أن هذا الافتراض ساذج وغير مبني على أدلة علمية اللهم سوى التكهن، إلاّ أنها تهافتت علينا التطمينات التي يطبطب فيها الخبراء.. جاءت هذه التطمينات لتدفعنا لمزيد من الاستهلاك والاستيراد والعولمة، بدلاً من الاستقلال الإنتاجي، وإعادة بناء الثقافة؛ لتكون أكثر عمقاً، وأكثر تقديراً لمسألة الإنتاج والتصدير والاندماج في دائرة العمل الجاد لمصلحة بلدنا..

والآن يأتينا سيناريو جاد وصارم، سيناريو الطاقة البديلة النظيفة التي ستقلل من قيمة نفطنا، وتجعله يُباع بأرخص الأثمان.

في أفضل الأحوال..

إنه الوقت لنأخذ بعين الاعتبار الغلطات الكبرى التي جعلت من مجتمعنا استهلاكياً اتكالياً من الدرجة الأولى..

ماذا عن الزراعة يا أولي الألباب..؟ وماهي خططنا لتوفير طعام أحفادنا وأحفادهم، في الوقت الذي نعرف أن صحراءنا الشحيحة لاتكاد تجود بالماء لنا نحن البشر حتى يمكنها دعم الزراعة..

وبدلاً من إضاعة الوقت في النقاشات العقيمة حول تاريخنا والمؤامرات التي تُحاك ضدنا، أظن أن الوقت حان لدراسة جادة _ ليس لميزانية يلتهم ثلاثة أرباعها أثناء إنجازها_ من أجل معرفة أين نضع المال الموجود بين أيدينا ليكون بذرة تنمو لأحفادنا.

الأجيال التي يهمنا أن نراها لا تشحذ، ولا تستجدي، ولا تستدين من صندوق النقد الدولي.. ويهمنا أكثر ألاّ نراها تزدهر فيها المصائب التي يجرها الفقر والجهالة والأمية، الأمراض التي ظننّا أننا خفّفنا من وطأتها في عصرنا الذي نعيشه الآن.

إن أبناءنا لن يموتوا حين لايحصل أحدهم على هاتف جوال أو سيارة، ولكنهم سيموتون حتماً حين يضطرون للتدافع على الخبز كما حصل في مصر، أو للحصول على الماء كما يحصل في إفريقية، أو حين تنتشر بينهم أمراض التلوث والأوبئة كما في بنغلادش ..

كواحدة تنتمي لعصر الرخاء النفطي يهمني أن يدعوا لي أحفادي، وألاّ يدعوا عليّ؛ لأني بدّدت أموالي ورخائي النسبي، ولم أستثمرها في مشروع تعليمي أو استصلاح أرض أو غيرها من المشاريع التي نعرف أنها تدوم لعقود، أو ربما قرون إن أراد الله..

لكن: هل من قومي من يريد أن يرفع بهذا الكلام رأساً، وأن يعرف أن المتظاهرين في كوبنهاغن لم تعد أعدادهم بالآلاف، ولكنهم تكاثروا حول العالم بالملايين، ينحون علينا باللائمة نحن أهل النفط والمال، ويدعون لنا، أو ربما علينا أن نهتدي أو نكون من النظيفين..؟!

طعام مهدرج، وعي مهدرج، كلنا مهدرجون!

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-43-132262.htm

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
طعام مهدرج، وعي مهدرج، كلّنا مهدرجون..!!
الاربعاء 21 جمادى الأولى 1431 الموافق 05 مايو 2010
طعام مهدرج، وعي مهدرج، كلّنا مهدرجون..!!
بدرية العبد الرحمن

سين سؤال:

لماذا نحب الوجبات السريعة، على الرغم من أن كثيراً من المعاناة في حياتنا يعود أولاً وأخيراً إلى العلاقة بيننا وبين هذه الوجبات منذ طفولتنا؟

كلنا يعرف أن الوجبات السريعة تسبب السمنة، والسمنة تسبب المرض، والقبح والترهل، وكل المعلومات والتحذيرات التي نعرفها، مسبقاً، مخزنة في أرشيفات عقولنا. الفارق أنها معلومات غير قابلة للاستخدام، لا تظهر حين نتصرف، ولا نتذكر هذه الحقائق الغذائية وقت الاستهلاك؛ لأننا ببساطة نستخدم جزءاً آنياً وقتياً من إدراكنا لحظة الاستهلاك، هذا الجزء الآني الذي يتعرف على المادة الغذائية المطروحة للبيع عبر المعلومات اللحظية:

(لذيذ- فاتن الشكل- مغري الرائحة- لايقاوم- ذو نكهة …الخ الخ الخ).

لا أحد يستفيد من هذا الجزء الآني البدائي في الإدراك مثل صنّاع الأغذية السريعة والرديئة وتجارها، أولئك الذين يجنون ثرواتهم عبر مخاطبة ومحاصرة وتركيز الإعلان والدعاية حول هذا الجزء الآني من الذاكرة.

بعبارة أخرى، من النادر جداً أن يتساءل أحد أو واحدة -وهما يراوحان قدميهما أمام طاولة إعداد الطعام في مطعم سريع انتظاراً لوجبتهما- عن تاريخ وعملية إنتاج ما سيدخل لبطنه بعد قليل.

أعني، أننا حين ندخل محل وجبات سريعة مدفوعين بشهية عالية أيقظتها روائح معدة بإتقان، وديكور فاتن وكمية هائلة من الصور المغوية المضمخة بألوان تستصرخ المعدة وبقية الأحشاء لمزيد من الجوع والتلوي، عندما نرى ذلك كله فإن آخر ما نفكر فيه هو أننا سوف نستهلك بعد قليل أردأ أنواع البروتين، وكميات عالية من الدهن الحيواني، وكمية عالية من النشويات كفيلة بتحويل هذه الوجبة إلى قنبلة بطيئة المفعول، نأكلها طوعاً وليس كرها، وندفع لأجلها أيضاً.

السر في هذا الخضوع العجيب هو الإدراك السطحي الآني، الذي يتعامل معه صاحب مطعم الوجبات السريعة بحرفية، فهو يقوم بعملية تلميع بسيطة للوجبة السريعة، تحتوي على مزيج من البهارات والتوابل، ولباس نظيف أحياناً، وسعر رخيص، وتفضّلْ خذْ وجبتك.

وتأكلها، تستهلكها، وبعد قليل تتصور أنها تخرج بنفس البساطة التي دخلت بها جسمك، والحقيقة أنها في طريقها قامت بعملية تسميم بعيدة المدى، تظهر فيما بعد سنوات من الاستهلاك المتواصل غير الواعي على شكل جسم مترهل، وبشرة منطفئة، وعظام هشة في سن مبكرة.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فقد ذكّرني هذا الواقع بحالة سمّاها أحد أساتذتي بحالة (استهلاك الخبر الصحفي)؛ حيث تظهر الحقيقة الصحفية المصنعة المهدرجة على شاشة التلفزيون أو على جريدة اليوم ليقرأها المتلقي.. يستهلكها ويبتلع ما فيها من حقائق معدّلة ومصنّعة، ويطوي الصفحة للصفحة التي بعدها.

وهي حالة قد يظهر فيها الخبر كمادة قابلة للاستهلاك، عمرها يوم أو يومان، ومن ثم تمضي كما تمضي الوجبة السريعة في بطن المستهلك.

هذه الحالة الصحفية هي تقريباً أبرز سمات ما يسميه باحثو علم الصحافة بالصحافة السائدة (mainstream media )، وهو ليس بالضرورة مرادف لما نسميه في عالمنا العربي بالإعلام الحكومي الذي تشرف عليه وزارات إعلام أو مؤسسات حكومية، بل يمكن أن يدخل فيه أي مؤسسة إعلام تستفيد من هدرجة الخبر وتصنيع الحقائق.

ما لا نأخذه في الحسبان هو أن تراكم الحقائق المصنعة المهدرجة في العقل المستهلك يسبب حالة من التناحة والترهل الفكري على المدى البعيد.

وهكذا في حالة الاستهلاك السيئ للخبر المهدرج تتحوّل معدّات تفكيرنا إلى حالة خمول مستعصية لا مفر منها، إلاّ إلى الغرائبيّة.

ولعل أبرز مثال على حالة تراكم الهدرجات الصحفية هو مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حين يبدو المتلقي  -وبفعل المينستريم ميديا- غير قادر على تخيّل صورة أخرى للعربي المسلم غير ما تمّ تخزينه وتحميله على قاعدة بيانات ذاكرته.

وبالتالي يتمكن المتلقي من إيجاد عذر أخلاقي لحرب العراق وأفغانستان؛ إذ قد سبق للصحافة السائدة أن كوّنت صورة مفتعلة لهذين البلدين تجعل منهما (معتدياً) مستحقاً للعقاب والاحتلال والتحرير والديموقراطية.

هذا مثال على حالة تراكم صورة مفتعلة ووعي زائف في “بلاد بره”.

ولكن لاتفرحوا فعندنا وعندهم خير، وعندنا مثال على حالة الهدرجة الصحفية شهدناه بأعيننا قبل أشهر وفجع قلوبنا، وهو ما أوردته (واس) في تغطيتها لكارثة جدة؛ فقد أصبحت السيول القاتلة مجرّد غيث سعيد فرح به الناس، وذهبوا بسببه للتمشية وقضاء الوقت.

وحين حُمّ الأمر وطفحت الحقيقة المرة عن عشرات المفقودين والضحايا، ظهرت لنا الإعاقات الفكرية التي تسببت بها عقود من استهلاك الأخبار الصحفية المزوّرة لتحلّل الفاجعة بغرائبيات غير مقبولة، بدلاً من الإشارة بأصابع الاتهام للمتسبب الحقيقي.

ولأنه في عقلنا الاستهلاكي الجمعي، يصبح الشاي الأخضر قادراً على (حرق) الدهون التي يلتهمها أحدنا في وجبة مفطح، يصبح من الممكن جداً أن تُعاقب جدة مدينة الذنوب بإغراق أحياء الفقراء التي لم يصلها الصرف الصحي.

ما هو الشيء المسؤول في وعينا الجمعي عن تقبل وتمرير هذه الأفكار المغلوطة؟

أعود وأقول: إنه التلميع، وما سمّاه القرآن الكريم بالتزيين (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً)، بحيث تنقلب الحقائق فتصبح أكاذيب، وتصبح الوجبات السريعة القاتلة أكبر استثمار يمكن أن يجني منه المستثمر ذهباً، وتصبح الكوارث الناتجة عن قصور الذمّة وتلاعب الأمانة بأرواح السكان عقوبة إلهية حتمية لوجود الذنوب. والويل كل الويل لمن يتشكك في هذه التجديفات والتأليات على عالم الغيب؛ وفيما بينهما لا توجد لدينا مشاكل تحتاج لحلّ، فالحال عال العال، وأجسامنا المترهلة سينحتها الشاي الأخضر وينقّيها من السموم!!

لا توجد ثقافة تحترف التلميع والتنميق مثل ثقافتنا الجديدة ابنة القرن الحادي والعشرين، بدءاً من المطعم الذي يقدم أجمل وأشهى الوجبات، فيما تختبئ الجرذان في مطابخه بين أكياس الدقيق، وانتهاء بالإعلام الذي يقدم صورة مجتزأة بشعة حول ديانة وثقافة يعتنقها أكثر من ربع سكان العالم، ولا يهوّن الإعلام المهدرَج الذي يقدم صورة ناصعة ومغرية لمدينة يموت فيها الإنسان غرقاً بسبب انعدام الصرف الصحي.

ولكنها حين تنكشف الحقائق؛ فبصرك اليوم حديد، نقف مبهوتين مذهولين أمام وعي زائف أفنينا العمر كله في تغذيته وإعلافه، حتى إذا كبر واستفرس بدأ بنا يأكلنا، ابتداءً من أجسامنا المنخورة المترهلة، ومروراً بمجتمعاتنا وحضاراتنا المسيّرة بالبركة، وانتهاء بأبنيتنا التحتية وعلاقتنا ببعضنا البعض نحن بني البشر!!

هذه قصة عالم اليوم ابن السوق الحرة وابن القرن الحادي والعشرين، بكل آلامه وأوهامه المبكرة، من طقْ طقْ، للسلام عليكم.

العم روكوس، عندما يتعنصر الآخر ضد نفسه!

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-40-136753.htm

جمعة 11 شعبان 1431 الموافق 23 يوليو 2010
العم روكوس، عندما يتعنصر الآخر ضد نفسه!
بدرية العبد الرحمن

سيداتي سادتي:

أقدم لكم العم روكوس، من مسلسل (بوندوكس) الكوميدي الذي كتبه المبدع: (آرون مكغرودر) وأنتجته شركة (تي بي إس).

العم روكوس هو رجل أسود يمارس عنصرية متطرفة ضد السود، ويرفض الاعتراف بكونه أسود، رغم أن فحص جيناته أثبت أن خلاياه أفريقية بنسبة 102 بالمائة.

وعلى الرغم من ذلك فإن العم روكوس مازال يستيقظ كل صباح ليتحدث الإنجليزية بلهجة القرويين البيض المتعصبين، ويدهن جسمه بكريم مبيض يعالجه من مرض السواد، ويحمد الرب المسيحي الأبيض على نعمة استيقاظه كل صباح وكونه أبيض عنصرياً في القلب.

العم روكوس هو الشخصية الأكثر إضحاكاً في مسلسل (بوندوكس) الكارتوني الكوميدي من العيار الثقيل، وهو يجسّد خير مثال ظاهرة التعنصر ضد الذات، أو انقلاب (الضحية-الآخر) عدواً ضد نفسه.

ظاهرة كراهية الذات أو التعنصر ضد الذات، أو ما يسمى بـ

(self hatred )

هي ظاهرة تكاد موجودة بالتلازم في كل الأقليات المضطهدة، حيث تظهر نماذج من الأقليات المضطهدة لتعتنق الرؤية العنصرية ضد نفسها، وتعلن إنكارها لذاتها بنفس لغة من يضطهدها، وتعلن في جملة ما تعلن، أنها تستحق ماتتعرض له من إذلال واحتقار لأن ما يُقال عنها – من تبرير للعنصرية- صحيح!

ظهر في مخيلتي وأنا أستعرض ظاهرة العم روكوس مثالان نموذجيان لظاهرة التعنصر ضد الذات:

1_ النساء اللاتي يمارسن العنصرية ضد أنفسهن، ويحتقرن جنس النساء مردّدات نفس الوحدات اللغوية التي يستخدمها الخطاب الذكوري، مع الاعتراف الكامل بأنهن أنفسهن يدخلن في دائرة الاحتقار هذه.

2_ العرب المتصهينون الكارهون للذات العربية، حيث يجعلون من العروبة لعنة في العروق تجلب التخلف والعار والهزائم وغيرها من الآلام، وهم في حديثهم الضد-نفسي هذا يستخدمون مفردات المركزية الصهيو-أمريكية التي تلعلع في (فوكس نيوز) وشبكة (سي إن إن) وشبكة (سكاي نيوز) وغيرها من الوسائط المنحازة.

والتشابه بين الأمثلة الثلاثة هذه: العم روكوس، النساء الذكوريات أو (النساء بدون أمهات كما سمتهن الناقدة سماهر الضامن)، والعرب المتصهينة، تشابه طريف يمكننا التسلّي بمشاهدته وأخذ ورقة وقلم لنعلّم على مواطن التشابه العشرة:

مثلاً: العم روكوس يستمتع بمشاهدة أفلام الكاوبوي من بطولة كلينت أيستوود، حيث تتخلل هذه الأفلام مشاهد اضطهاد للمزارعين السود في التاريخ الأمريكي القريب في فترة العبودية.

النساء الذكوريات يتحسرن على الحقبة التي كان فيها التعليم محرماً على النساء والإرغام على الزواج هو المصير الجيد الذي ينتظر كل بنت بمجرد بلوغها أو حتى قبل ذلك.

العرب المتصهينون يتحسرون على حقبة الاستعمار، ويرونها أفضل حقبة مرت على الذات العربية منذ الجاهلية على الرغم من كل ما جلبته من الموت والإذلال للسكان الأصليين.

العم روكوس يطالب بعودة عصر العبودية والرق لأنهما أفضل ما حصل للأفارقة الأمريكيين الهمج في نظره؛ لأن الأفارقة الأمريكيين لا يستحقون الحقوق والامتيازات التي يحصل عليها المتمدنون من البيض..

النساء الذكوريات يطالبن بمزيد من القمع والحصار والقوانين والأنظمة؛ لأن النساء أقل وأحمق من أن يحصلن على اعتبار إنساني كامل وحقوق مدنية.

والعرب المتصهينة يطالبون المستعمر الأمريكي ليأتي من أجل تمديننا وتطهيرنا من التخلف بقوة الدبابة والنووي؛ لأن الشعوب العربية أقل من أن تُمنح حق تقرير مصيرها بنفسها.

العم روكوس يربط بين الأفرو أميركان وتصرفات قردة البابون.

النساء الذكوريات يربطن بين جنسهن الناعم وتصرفات النعاج والبقر والدجاج.

والعرب المتصهينة يربطون العرب بتصرفات الأجناس الحيوانية الأكثر بلادة كالحمير والبغال.

إنك قد لا تستغرب_ عزيزي القارئ_ لو أن رجلاً أبيض مارس العنصرية ضد السود، أو أن رجلاً ذا أفكار ذكورية معادية للمرأة مارس العنصرية والاحتقار ضد المرأة، أو أن صهيونياً إسرائيلياً مارس الاحتقار والنبذ للعرب.

فالسود والمرأة والعرب في هذه الحالة ما هم إلاّ (آخر) غائب بالقوة عن المشهد الثقافي.

العرب والسود والمرأة  في نفس الوقت هم (هامش) عديم القيمة في مقابل المركز الإمبريالي المتسيّد، والذي يمارس ضد الهامش تمييزاً أصيلاً في النفسية البشرية الحديثة.

والمركز الإمبريالي (البروتستانتي الأبيض-الذكوريون-الصهاينة) يمارس مع الهامش فوقية وقطيعة ثقافية تمنعه من تكوين حوار متحضر، وتجبره على ممارسة اضطهاد وفصال ثقافي، يدخل في تكوينه الكبر والخيلاء والمركزية الثقافية.

هذا ليس غريباً وإن كان مستنكراً..

ولكن الغريب المستنكر هو أن يكون الضحية جلاد نفسه، وأن يكون العم روكوس كارهاً لذاته مردداً نفس تهم الأبيض له: الكسل، الفشل، حب الجريمة، البذاءة..الخ.

وأن تكون المرأة الذكورية كارهة لذاتها مردّدة نفس تهم الذكر لها: الضعف، الهشاشة، انعدام الذكاء، الرعونة، عدم القدرة…الخ.

وأن يكون العربي المتصهين كارهاً لذاته، مردداً نفس تهم الصهيوني له: التخلف، العداوة، الإرهاب، العنف، انعدام الفائدة..الخ.

حين يحصل ذلك فإن علينا التوقف قليلاً لمعرفة سبب هذه الظاهرة. وعلى الرغم من أن ابن خلدون استنتج أن ذوبان الهوية الأم في الهوية المستعمِرة هو الأصل في تصرف الأمم المستعمَرة، إلاّ أن ذلك الإيجاز قد لا يكفي لتفسير هذه الظاهرة نفسياً. فمن المنطقي أن يكون الإنسان محباً لذاته لا كارهاً لها، ومن المنطقي حين يقع التمييز والظلم على امرئ أن يدين هذا الفعل لا أن يمارسه ضد نفسه.

إذن فما هو التفسير النفسي لظاهرة العم روكوس؟

-التقمص:

فالمغلوب يتقمص شخصية الغالب لا شعورياً. العم روكوس يتحدث الإنجليزية بلهجة البيض القرويين، ويستخدم مفرداتهم للتحقير من شأن جماعته، والذكوريات من النساء يتحدثن بأصوات خشنة ويستخدمن مفردات عربجية في التحقير من شأن جنسهن، والعرب المتصهينة يتحدثون عربية مؤمركة مطعمة بمفردات عنصرية ضد أنفسهم.

والثلاثة في هذا الميدان يتقمصون شخصية قاهرهم لا شعورياً، ربما لينسوا انتماءهم إلى الجنس المغلوب بطريقة أو بأخرى.

ولذلك ينكر العم روكوس أنه أسود أصلاً، ويزعم أن سواد بشرته ناتج من مرض، ويقسم بالدم الإيرلندي الذي يجري في عروقه، ومرة يصبح من أصل فرنسي ومرة من أصل أسكتلندي، في حوارات كوميدية من العيار الثقيل تجعلك تضحك من أعماقك على: كيف يمكن أن يصبح الإنسان عندما يكره هويته.

-المازوخية:

وهي الاستمتاع بالعذاب والإذلال، فالعم روكوس –في حلقات كثيرة- لا يتردّد في الانحناء والركوع أمام البيض احتراماً على الرغم مما يقابلونه به من احتقار أو لا مبالاة.

الذكوريات والمذعنات من النساء لدرجة عبادة الرجل يستمتعن بالدونية الاجتماعية ومرتبة الجارية الأقل شأناً في مقابل سي السيد.

وقد قرأت لهذه الفئة نصوصاً إبداعية تتفنن فيها الكاتبة في وصف استمتاعها بإذلالها وألمها الاجتماعي الحتمي الناتج من كونها أنثى، بل وتنسب هذه الكاتبة هذا الاستمتاع المازوشي إلى شيء في (فطرتها) لا يشبع إلاّ بأن (يكسر ضلعها) وأن (تكون أقل) أو أن تكون مهمّشة مغلوبة.

العرب المتصهينة أيضا يمارسون مازوخية شبيهة عندما يتحدثون عن العرب بضمير الـ(نحن) ومن بعدها تستمع لأنواع من الأوصاف الدونية تحيلك إلى هذه النحن:

ف(نحن) العرب جرب، و(نحن) العرب لا فائدة من المحاولة معنا، و(نحن) العرب شعوب لا تصلح لها الديموقراطية بل الحديد والنار، و(نحن) العرب نستحق ما نعانيه من تخلف وركود؛ لأننا (نحن ) العرب.

ويخيل إليك وأنت تستمع إلى مفردات الخطابات الكارهة للذات أنك ترى اللذة المازوشية بتعذيب الذات وكراهيتها بين السطور والحروف.

– الذوبان والتسليم:

فليس بالإمكان أحسن مما كان. والعم روكوس في النهاية أمريكي يعيش في خير الرجل الأبيض، ويأكل من دورة ماله العظيم، ويستنير بنور الرجل الأبيض الجبار الذي ملأ أرجاء الأرض استعماراً وتحريراً للشعوب المستعبدة من نير الجهل والثقافات البربرية القديمة.

والذكوريات يحتججن لعنصريتهن ضد ذواتهن بأن المرأة لا تساوي شيئاً من دون الرجل، وأن الحضارات والأديان والعلم والتطور جاء على أيدي الرجال، وليس النساء. وأخيراً؛ فالنساء لا يصلحن لشيء ولا يدخلن في شيء إلاّ أفسدنه – كما قالت إحداهن في محاضرة وضحكت من حولها النسوان إقراراً وسخرية بأنفسهن_ ولذلك فخير لهن أن يتركن الخيط والمخيط في أيدي الرجال، وذلك لمصلحتهن قبل مصلحة الرجال.

أما العرب المتصهينة فهم يقسمون برأس أمريكا وحليفة أمريكا أنه لولا أمريكا لأكلنا بعضنا البعض -نحن العرب- ولكنا يلعن بعضنا بعضاً ومأوانا النار، ولكنها أمريكا وحليفتها من يمكنهما أن تمسكا العصا من المنتصف وتحميانا من شر أنفسنا..

-الفتات ولا القطيعة:

فالعم روكوس يتلزّق بالبيض، ويداعب مشاعرهم العنصرية حتى يحصل على امتيازات. على الرغم من أنه يتم نفيه وطرده في كل حلقة، ولكنه لا يكلّ من المحاولة ولا يسيء الظن بالجنس الأبيض مهما فعلوا به؛ لأن مجرد الاقتراب من الفئة البيضاء المحظوظة هو امتياز.

الذكوريات من النساء يعتقدن أنهن يحصلن على امتيازات أكثر بسبب خضوعهن، رغم أن خضوعهن للجنس القاهر يسلبهن أكثر امتيازاتهن، ولكن يظل مجرد اقترابهن من هوى الجنس الذكوري امتيازاً هائلاً. ولذلك تصبح الذكوريات من النساء أكثر عداوة لجنسهن من الذكوريين من الرجال.

والعرب المتصهينة مدفوعو الأجر بطريقة أو بأخرى، فمن لم يكن مالكاً لموقع يدفع له كان صحفياً مأجوراً أو بوقاً شتّاماً ذمّاماً لاجئاً في قنوات تلفزيونية صهيو أمريكية تمنحه من اللمعان والمال ما لم يحلم به طوال حياته البئيسة في ديار الجرب والصحراء والقحط.

ورغم أن التلميع والضجة يشتعلان لوقت وجيز، ومن ثم تخفت الأضواء وتقل الأموال والامتيازات (والصهاينة والكلبيون لا أمان لهم في النهاية)، إلاّ أن المتصهينين على الرغم من تلك الخيبات لا يكفون عن الأمل بالسيد الصهيو- أمريكي القادر على إصلاح حالنا وسكب المال في جيوبنا وتغيير حياتنا من الإرهاب والعنف والقمع إلى الديموقراطية والعدل والرخاء.

هذا ما يجعل كارهي الذات وعابدي جلاديهم مادة دسمة للكوميديا والإضحاك بلا أي منازع…

ولله في خلقه شؤون.

القاعة ٣٤

القاعة 34
2017 ادخل مادة الاتصال الاستراتيجي للاسبوع الثالث على التوالي..

أمضي دقائق في تذكر تفاصيل هذه القاعة… يابنات هذي قاعتكم؟ وتجيبني الوجوه الواجمة بأن أي نعم…

وانك كنت فيها معنا مرتين!
لم لا اتذكرها إذن ولم يبدو الاسبوعان الماضيتين في قاعة أخرى.. صغيرة ونوافذها على يدي اليمين بدلا من أن تكون في وجهي كما هي قاعة 34

بدأت انسج سيناريوهاتي.. ربما كانو قد غيروا اتجاه الكراسي.. وأنى ذلك والمنصة مثبتة بأحكام؟
ربما غيروا القاعة من 35 إلى 34
ثم جلست افكر بأن هناك ثقبا في الزمن عبرته إلى هذه القاعة التي أراها لأول مرة…
أسوأ من ذلك السيناريو أن تكون نسختي من كون آخر تقوم بدوري في كوني الخاص…
لكن السيناريو الأنسب أن هذه القاعة تحتوي في احد أبوابها على فلتر ذكريات… ربما علقت فيه ذكرى وجودي فيها..
مرت الايام والشهور واجتازت اغلب البنات مادة الاتصال الإستراتيجي…
ومر فصل وفصلان وجاء سبتمبر 2018.. ادخل القاعة رقم 34 في مادة أخرى وللمرة الثانية على التوالي
أشهر بالغربة والغرابة وشيء من خوف..
.
بنات هذي قاعتكم؟

أيه
نصوص إعلامية بالإنجليزية ؟

أي

اي والله قاعتنا وانتي جيتينا فيها الأسبوع الماضي..
طيب شلون القاعة اللي راحت كانت درايشها عالجنب والبوديوم جمب الدريشة ووووو…
.
.
.
.

Posted in غير مصنف

في معنى الأمومة والأنوثة وأشياء أخرى

2

لئن كانت الأنوثة ملحمة فالأمومة هي بلا شك أكبر معاركها ، وأجمل قصائدها على الإطلاق، ليس فقط أنها تجسّد معنى الوجود البيولوجي للمرأة كما خلقها الله، ولا لأنها معجزة الخلق التي تتكرر بشكل إعجازي في كل مرة، ولكن لأن كل لحظة من لحظاتها تنطوي على عمق كبير وتفاصيل صغيرة لايدركها إلا من جرّبت الأمومة..

عندما رزقني الله بمعن بعد انتظار طال تسع سنوات كنت أختبر مشاعر جديدة وعجيبة مابين الفرحة والخوف ، وجدتني أعود طفلة وأنا أتخيل طفلي يكبر ويصبح في المدرسة ويلعب مع أقرانه، وأبكي شغفا. وعندما رزقتُ بفلوة لم يكن الأمر سهلا مع معاناة الاكتئاب الذي رافقني قرابة شهرين بسبب الأدوية التي كنت أتلقاها أثناء الحمل، أما مجيء حصة فقد كان الأسهل والأجمل والأكثر بهجة ولله الحمد.

إن مفاجآت الأمومة قد لاتكون كلها سارّة، فتقلبات المزاج ، والمخاوف، لوم الآخرين لكِ ومحاكمتهم وإحساسك بالغبن نتيجة ذلك، كلها أمور تحظين بها، وأقول تحظين لأنكِ تتعلمين من كل تفصيل صغير درسا جديدا في الحياة، تتعلمين الصبر، ولاحقا حين تستقر أموركِ وهرموناتك الآمرة الناهية، تبدئين في الاستمتاع بالمتاعب ابتداء من روائح حفائظ أطفالكِ، وانتهاء بفوضاهم في الغرف وصراخهم في أذنيك آناء الليل وأطراف النهار.

أسوأ الأمور في الأمومة هي الحيرة، والشعور المستمر بالذنب، حين يبدأ أطفالكِ في الفهم، والتعدي على الآخرين وضربهم، وخلع ملابسهم وتوسيخها والقيام بكل ما من شأنه أن يثير جنونكِ، لاتدرين هل صراخكِ التلقائي أو نهركِ لهم أو ضربهم أحيانا هو الفعل الأنسب، أم أن عليكِ اتباع توصيات التربويين مابين كرسي التفكير ومابين افتعال الحوارات التي لاتجدي في 90 بالمائة من الحالات، وفي الحالتين تجدين أنكِ ترقدين في الفراش ممتنة لكل شيء في يومكِ ، ولكن تتمنين لو لم تصرخي ولم تنهري ولم تهددي بالضرب، وتتخيلين طفلكِ ومشاعره الصغيرة غير الناضجة وهو يواجه غضبكِ ببراءته وخوفه وتبدئين في تأنيب نفسكِ والاستغفار ووعد نفسكِ وربكِ أنكِ لن تصرخي ثانية ولن توبخي..

لكنكِ في النهاية لاتشكين في الحب، ولا تشكّين في روائح شعورهم وهي تخترق أنفكِ وتبلل روحكِ العطشى لوجودهم دائما..

Posted in غير مصنف

في معنى الأمومة، والأنوثة ، وأشياء أخرى (سلسلة مقالات متفرقة)

كتبت بين 2016 وحتى الآن ….

1

هل أنا أسرق فكرة إليف شفق عندما أتحدث عن تجربتي مع اكتئاب مابعد الولادة؟

أنا سأكتب بلغتي.. ولكن كثيرا من الأفكار التي توصّلت إليها إليف في كتابها (حليب أسود) توصّلت لها أيضا..

نعم.. هذه المحنة الرهيبة إنما هي (منحة) الله للأمهات ليكنّ أكثر قوة..

نحن نحمل الحياة داخل بطوننا.. نحمل سر الخلق الذي كرره الرحمن في أكثر من موضع في القرآن العظيم داخلنا..

كيف لنا أن ننجو من كل ذلك الجمال الربّاني المهيب الذي يتدفّق داخلنا ؟

كيف يمكن أن لاتضطرب أجسادنا الطينية الطيبة القوية وهي تحتمل صوت الملك ينفخ الروح في تلك البذرة ..؟

إن تلك الحالة ماهي إلا عتمة الليل التي تسبق انبلاج الفجر.. والزلزال الذي يقلب كل شيء رأسا على عقب لتعود الروح بعده مروجا وأنهارا..

تعرّضت لاكتئاب مابعد الولادة بعد إنجابي لمعن، لم تكن الأيام الصعبة والسوداء طويلة فقد خفت بكثير بعد أسبوعين من بدايتها، لكن التجربة الأصعب كانت بعد ولادتي لفلوة، استمر الهلع والمشاعر المخيفة أكثر من شهر توفيت فيه ابنة أخي الكبير (شوق)، لم تزد وفاة شوق حالتي إلا سوءا ولجأت بعد الله إلى الطبيب النفسي وليد الزهراني، وكان بعد الله خير معين!

بعد أربعة أو خمسة أشهر من العلاج الدوائي بجرعة صغيرة كنت أودّع عالم الاكتئاب إلى غير رجعة إن شاء الله، والحمد لله الذي يبتلي لكي يعافي، ويأخذ لكي يعطي، ويمنح طعم الحياة بأجمل لذّاته بعد الأيام الصعبة.

 في كل مرة كبرت فيها ابنتي، وأبتعد عن تلك الفترة الصعبة جدا في حياتي، أجدني ممتنة لها جدا، فبسبب اكتئاب ما بعد الولادة تغلبت على خوفي من أشياء كثيرة، تغلبت على خوفي من الموت، خوفي من الطيران، خوفي من الركوب في السيارة دون ربط حزام الأمان (لاأعني أن هذا أمر جيد بالطبع)، لكن الخوف لم يعد ذلك العدو الذي يعييني ويرعبني بعد اليوم. في كل تجربة أمر بها أو تغير في المزاج أجدني أقول لنفسي: لقد تغلبت على ماهو أقوى من هذا، أنا أقوى!

لم أكن ممتنة للحياة وفرحة بها بعد تلك الحقبة من قبل، ولم أكن أكثر تصالحا وتفاهما مع الحياة كما صرت بعد تلك الحقبة، صارت الصعوبات صديقتي، والأيام الصعبة خفيفة بواسطة الامتنان فقط .

علمت حينها كيف أن الله تعالى يعلّمني، ويؤدبني، يختبرني، يخبرني بلطفه بطرقه العظيمة، وما يتعلمه المرء بعد الاكتئاب عظيم، عظيم جدا، فهو يختبر لون الحياة ومعناها بعد فتنة عظيمة، وابتلاء كبير مر به الأنبياء والصالحون والعلماء والشعراء والعظماء والنساء والرجال والأمهات. حين يدرك المرء هذا المعنى الكبير لاتشرق نفسه بالسلام الروحي فحسب، بل يهجم بشغف على الحياة، يعانقها، يعب منها ويشرب ونور الله يملؤ قلبه ويشرق به. هذا لايعني نهاية سعيدة في كل يوم، فالأيام تتقلب، والمشاعر السيئة تذهب وتعود، ولكن تجربة التعامل معها باحتراف وعقلانية تظل هي خير ما في الأمر، وهي مايبقى للإنسان من حياته في نهاية الأمر.

Posted in غير مصنف

أربعون تحملني أم أحملها

أربعون، تحملني أم أحملها:
اليوم هو التاسع من يونيو، وفقا لتاريخ ميلادي غير الدقيق الموافق ل 1/7 الحكومية فقد كان يفترض بي أني أتممت أربعيني بحمد الله قبل ثلاثة أيام!
اللهم لك الحمد، أربعون وفقا للميلادي، أما بالهجري فأنا الآن أبلغ من العمر واحدا وأربعين عاما وشهرا. وياله من شعور مبهج لم أحسب له حسابا!
أعترف أني قضيت وأضعت عمرا طويلا وأنا أتخوّف من الأربعين، وأراها بداية النهاية ، بداية الشيخوخة ومنتصف العمر وغيرها من الأفكار السلبية التي أنتجتها حالة الفضاوة والفراغ في العشرينات المرهقة!
بلغت الأربعين وفي بطني طفلة تنتظر الخروج في شهرها الأخير _وأسأل الله أن يسهل خروجها ويجعلها وجه سعد ومحبة على العالم كله_ وفي رعايتي ولد وبنت هما أجمل ما أنعم الله به علي.
كل هذه النعم الجميلة التي تنتظر الشكر والاعتراف كانت أحلاما يوما ما، أحلاما منها ما جلست أنتظره، ومنها ما جلست أعمل عليه، وفي الحالتين كان الله سبحانه يدبّرني ويدبّر لي، فلك الحمد يا رحمن ياكريم يارحيم.
ينظر الكثير للأربعين وكأنها فعلا بداية النهاية، بينما كانت للأنبياء بداية النور والحكمة، وبداية السعادة، وبداية الحياة، نعم نبدو حين نبلغ الأربعين وكأننا فعلا كنا نستعد لوقت طويل لهذه الانطلاقة الجميلة، لكن ينكّد علينا فقط تلك الأفكار السلبية التي تقول لنا أننا سنبدأ بالترهل، ستغزونا التجاعيد والشيب، وستقلل من جاذبيتنا الجنسية وسيبحث شركاؤنا عن آخرين أو سيتشاغلون عنا، وغيرها من الأفكار التي سلبت منا فرحتنا بأعمارنا، وجعلتنا أسرى لتصغير أشكالنا والكذب بشأن تواريخ ميلادنا.
حتى أنا أحيانا، صار تاريخ 1978 يستفزني، وكأنه ليس العام الذي استقبلتني فيه الأرض وهللت لأجلي شمس يوليو الحارقة وهي تطبخ تمر النخيل في الرياض. لكنني أتجاوز كل مرة هذه السخافة وأعلن عن عمري لا لأني فخورة فقط، ولكن لأني ممتنة لكل يوم مر بي على هذه الأرض، لكل يوم اختاره الله لي وجعل أقداره الممتعة أو المؤلمة جزءا من ذاكرتي القوية.
وحده الإنسان من يستطيع أن يحوّل لحظاته إلى نياشين يضعها على صدره، أو جروح يبكي منها كلما كان هناك مناسبة، وحده الإنسان من يستطيع أن يحدد ما تكون تجاعيده وشيب شعره بالنسبة له، هل ستكون علامة شيخوخة وضعف ورثاثة، أو تكون علامة جمال وتقدم في النور والحكمة والحياة.
وها أنذا، وأنا أخطو بإذن الله نحو أربعيني، أجدني أنتظر ما تبقى من أيامي وسنواتي، قد تكون أطول مما مضى وأجمل، وقد تكون أقصر ، ولكنني أعلم حتما أنها ستكون محمّلة بكل ما حمّلت به أربعوني الماضية، حب وبهجة ، تجارب ودروس، أيام جميلة وأيام أخرى صعبة، أخطاء وندم، ونجاح وفرحات، كل شيء تمنحك إياه الحياة جدير بالاحتفاء، وجدير بأن تنظر له بحب وأن تحمد الله من كل قلبك. لأن الله لايعلّمنا _سبحانه_ بسبورة وطباشير، بل بأيام ولحظات، وتجارب وكبد، ومنح ومحن، وهذا مايتبقى لك في حياتك، في لحظاتك، في لاوعيك وأرشيف نفسك.

لم أتذكر حياتي يوما خالية من الكدر، لقد كانت كأي حياة أخرى مليئة بالتجارب الصعبة، باللحظات المريرة التي لاتنسى، المرة التي قضيت فيها ساعات بجوار أمي الحبيبة في مستشفى الحرس وهي تخبرني بأنها تحتضر _ ولم تكن كذلك بل كانت تتوهم_ لم تكن أقل مرارة من رؤيتها وهي تتشنج وتفقد أنفاسها ووعيها وإحساسها بمن حولها وهي تنقل للعناية المركزة. ولاحقا كانت ذكريات قديمة من مراهقتي وطفولتي تذكرني بأيام كنت أبكي فيها بمرارة وبدون سبب، ومرة داهمتني نوبة تعرق شديدة أقرب لأن تكون نوبة هلع في نومي، لم تتكرر ولله الحمد فيما بعد لكنني أتذكرها جيدا، وكم من أيام عشتها كنت أتوهم فيها حصول سنياريوهات مخيفة، إحداها أن يرسل صدام حسين _ قبل غزو العراق_ صاروخا نوويا إلى الرياض ويبخرها في سحابة الفطر المريعة تلك.
كم من الخيالات والصور المخيفة والمضحكة والمثيرة للسخرية امتلأ بها عقلي لفترة طويلة. والأمر الجميل في تلك التجارب أنني أنظر إليها وقد أصبحت في أربعيني وأتعلم من جديد، أن حياتي السابقة كانت مليئة، وأن من الطبيعي أن تكون حياتي اللاحقة مليئة ومتعبة وفيها الكثير من المسرات والآلام، وإلا فكيف ستكون حياة رتيبة مكرورة ومملة بلا تحديات من كل جانب؟

Posted in غير مصنف

الترفيه بدلا من الحياة

ماتعلمته مؤخرا كان مثيرا جدا، ومفيدا لدرجة كبيرة، فكرة أن الأصل في الحياة أن لاتكون مكتملة ولا سعيدة ولا حتى مثيرة للاهتمام جدا.

 هذا ما لن يفهمه المترفون والمترفات ممن يترهلون في فراغ من الحياة فوق منصاتهم في تويتر وفيسبوك، يبثون للعالم كراهيتهم للحياة ولأنفسهم وذواتهم الخاوية التي يملؤونها بالبرغر والأطعمة السيئة التي لم يشقوا في إعدادها ولا حتى شرائها، وحقا، كيف لحياة لاتصنعها _بل تشتريها جاهزة_ أن لاتكون مملة وقاتلة؟

كانت أولى خطوات تخلصي من توتري وسلبيتي أن بدأت أستشعر  نعمة الله تعالى في قيامي بأعباء منزلي، حيث لا أحتاج أحدا ينظف لي أرضياتي أو ينفض لي غباري أو يغير ملابس أطفالي ويحممهم.

وجدتني بعد كل يوم تنظيف عادي أكون أكثر امتلاء بنفسي، وأكثر امتنانا لربي، وهي حالة لم أكن لأشعر بها في سنوات طويلة كنت أشعر فيها بأني مستلبة وأني لاأفعل شيئا مفيدا، وأراهن أنه شعور تشترك فيه كل الفتيات في أعمار صغيرة ومتوسطة.

كلنا نعتقد أننا نضيع وقتنا في أعباء المنزل والطبخ والتنظيف، خصوصا حين لايكون هناك خيار آخر، يبدأ الملل في اللحظة التي نفقد فيها إحساسنا بمعنى مانفعله.

لأي شيء نغسل الأواني وهي تتسخ بعد أقل من دقائق؟

لأي شيء نطبخ ما سيلتهمه أهل البيت في ثوانٍ؟

لأي شيء نقوم بما يمكن لأموالنا أن تقوم به؟

عاملة مستأجرة وطعام يطلب من الخارج عبر تطبيق _ليس حتى عبر مشي أو سيارة!

وهنا تتساءل عن بقية اليوم وأين ستنفق لحظاته وثوانيه؟

وتمر الأيام بكل واحدة منا لتلقي بتفاصيل حياتها على الآخرين ليمارسوها بدلا عنها، وشيئا فشيئا يصبح الفراغ هو الأصل، ويصبح الوقت كله رهن تحديثات السناب شات والمقاطع التي تزيد الملل مللا، وتبحث إحدانا عن الحياة لتجدها في أيدي الآخرين، وتأتي الأيام لتعلّم كل واحدة منا ما سينفعها في بقية مشوارها فوق هذه الأرض.

إن حياتنا اليوم تصبح أسهل وأوقاتنا أكثر امتلاء بالأنشطة الترفيهية بدلا من أنشطة ممارسة الحياة، نحن نطبخ أقل، ونأكل أكثر، وتنظّف بيوتنا نساءٌ أجنبيات أو غسالات أوانٍ، ويقتصر وقت التنظيف الذي كان يستغرق عامة أيامنا قبل عشرين سنة إلى أقل من نصف ساعة يوميا.

وهذا مايجعل لدينا فائضا في الوقت مالم نملأه بفعل شيء، فإن المشاعر السلبية والذكريات، وعقولنا المبرمجة على اجترار ما يؤلمها جاهزة للانقضاض عليه وملأه بالصراعات والحزن والأسئلة التي قد لايكون لها معنى.

وهنا أتذكر جيدا تلك العبارة الخالدة لمورغان فريمان في دور (ريد) في الفيلم الملحمي سجن شوشانك:

انشغل بالحياة، أو انشغل بالموت..!

 

Posted in غير مصنف

أبونا، وإرادة الخير

أبونا وإرادة الخير.

 

أبونا هو الاسم الذي أحب أن أنادي به زوجي، وهي الكلمة المرادفة في القاموس النجدي لكلمة ابن عمي السورية، وجوزي اللبنانية والمصرية، وhobby الأمريكية. ويعلم الله كم لهذه الكلمة من انطباعات وتداعيات ومعاني لايفهمها إلا أهل نجد.

 اكتشف أبونا تطبيقا جديدا هو عبارة عن متتبع للطائرات التي تعبر فوقك، بحيث يكشف نوعها وطيرانها وارتفاعها ووجهتها وغيرها من المعلومات، أبونا وبتحمّسه الطفولي (الذي لم يخفت يوما ما رغم كل الشيب الذي غزا شعره) كلما اكتشف شيئا جديدا يهرع إلى جواله كلما سمع هدير محرّك طائرة ويخبرني بشغف عن معلوماتها..

قلت له وأنا أتأمل الطائرة في بلادة:

_ ماذا لو، لا قدر الله، لو كان معي قاذفة صواريخ يدوية كتلك التي تستخدمها الجماعات الإرهابية وأردت أن أستهدف طائرة مدنية من الأرض، أي مدى أحتاج لإصابتها _لاقدر الله_ ألا يعتبر هذا التطبيق خطرا؟

ببساطته الجميلة رد أبونا: يعني الجماعات الإرهابية إذا نشنوا على طيارة بس ماناقصهم إلا تطبيق؟

حقا ، أظن أن السؤال الذي سألته إياه كان غبيا وفي غير محله، فشغف (أبونا) يمثل شغف البشرية للجديد والمعرفة والتطوير والتقدّم، بينما كان السيناريو البوليسي الرديء الذي أتيت به يمثّل خوف البشر من كل جديد، وعدم ثقتهم بإرادة الخير في مقابل خوفهم من إرادة الشر..

أيهما أقوى يافهد؟     سألته، إرادة الخير أم إرادة الشر؟

أجابني: قالوا نفس الكلام عن جوجل وخرائطها، وأنها ستكون وسيلة لانتشار الجريمة وتسهيل الإرهاب، وأصبحت في الحقيقة وسيلة لتسهيل حياة الناس وإنقاذهم في بعض الأحيان، وقالوا نفس الكلام عن الطائرات بلا طيار وأنها ستكون وسيلة للقتل والإبادة السريعة والاستخدام السيء من المراهقين والإرهابيين، وأصبحت الدرونز تتحول إلى محطات طبية متنقلة.

الواقع يخبرنا أن قوة الخير وإرادته أقوى بمراحل وسنوات ضوئية من إرادة الشر  والتخريب، ورغم ذلك لم تعِ البشرية هذه الحقيقة إلا بعد قرون من التردد والتقهقر والتوجّس ، ومازال هاجس الرعب من الحروب والموت والندرة ونضوب النفط يقلق الملايين حول العالم والذين يتصورون أن كوكب الأرض قد ضاق بنا وأن مزيدا من البشر سيؤدون للموت والحروب على المصادر، بينما نعرف أن أبشع حربين ارتكبتا في التاريخ كانتا في عصر لم يتجاوز عدد البشر فيه المليارين موزعين على ست قارات، وتخبرنا الإحصاءات العالمية أن نسب الجريمة والانتحار والاغتصاب والقتل تتدنى في تاريخنا المعاصر إلى نسب تعتبر ضئيلة جدا مقارنة بنسب الجريمة والانتحار والموت المبكر في أزمنة مضت بعدد سكان أقل..

لم لايكون التمدد السكاني هو السبب في هذا السلام النسبي على الأقل في الأماكن ذات الاقتصادات الجيدة حول العالم بإرادة الله سبحانه وتعالي؟ حيث يضمن العيش الرغيد أو القريب منه حالة من الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأفراد تجعل أعمارهم أطول وقدرتهم على المراوغة مع تكاليف الحياة أكثر، وتمكّنهم من الارتفاع عن مستوى مجرد العيش إلى تحسين نوعية الحياة وجودتها.؟

لست هنا أتجاهل أننا في قلب حروب سيئة أهلكت البشر واضطرتهم إلى الهروب والهجرات وأسوأ السيناريوهات التي يمكن أن نتخيلها، ولكن هل هذه الحروب كانت حروب مصادر أو بسبب التقاتل عليها كما نتصور أن الحروب يجب أن تكون؟ بالتأكيد لا، ومعاناة الإنسان في هذه الحروب رغم فداحتها لم تكن بمعزل عن تعاطف العالم كله ، وبالتأكيد فإن هذه المعاناة لاتبرر أخلاقيا، ولاتجد لها من يهلل لها بمتعة ونشوة كما كان الحال قبل مائة سنة..

ببساطة، ألسنا الآن ورغم شعور الذنب المحرق الذي نشعر به تجاه كوكبنا وأنفسنا وأخينا البشر وبقية الكائنات، ألسنا أفضل مما كان عليه الإنسان في عصر الحربين العالميتين؟

إن انفجار عدد سكان العالم بعد الخمسينات الميلادية لم يكن بدون سبب، فهذا التنامي في عدد السكان كان يعبر عن ذعر البشر من الإبادة وردة فعل على الموت العظيم الذي صار في الحرب العالمية الثانية، وأصبحت قنبلة الأطفال هذه نواة للأجيال التي مازال أغلبها على قيد الحياة، وهم من صنعوا التحولات السياسية والإنسانية والاجتماعية حول العالم أجمع، ولذلك نعود لنسأل: لماذا نخاف من تزايد عدد السكان وتزايد أعمارهم إلى التسعين والمائة؟ ولم لايكون هذا الأمر في صالح البشرية وكرتها الأرضية بدلا من الذعر القبيح الذي تبنته النازية حين جعلت العمر الافتراضي للانسان ينتهي في الخامسة والستين؟

إن إرادة الخير تكاد تكون مرئية ملموسة في كل ظاهرة، ففي كل شر محتمل يوجد آلاف الاحتمالات الجيدة ، وفي داخل البراكين تنمو أجود وأندر النباتات والأزهار، ومن داخل الظواهر التي تخيفنا يمكن أن تولد فرص غير متوقعة، وحيوات كثيرة وردية وخضراء.

إن افتراض السكون على وضعية واحدة يعني الموت ببساطة، فالأصل في الكون أنه يتحرك، والأصل في البشرية أنها تتغير وتموج، وتتمدد، وبالتالي فمزيد من البشر يعني مزيدا من التمدد في المدن والخدمات والاختراعات والابتكارات، وتغييرات حتمية اجتماعية وثقافية كما يشير ديفيد هارفي في مقالته (الحق في المدينة)، ففي كل مرحلة زمنية تترهل البنيات المدنية من اقتصاد وخدمات وأنساق ثقافية، وتحتاج إلى مساحات أوسع لتلقي بهذه الفوائض إليها، وهكذا يصبح تمدد البشر _الرعب الذي تنضح به أفلام هوليوود ومقالات القياميين_ ضرورة لكي لاتنكفئ المدن على ذواتها وكي لاتموت، لأنها إن لم تتمدد سكنت ، وإن سكنت ماتت، والسكون هو الموت في عرف هذا الكون الذي كل شيء فيه في فلك يسبحون..

في أماكن معينة من العالم (مثل بلادنا الجميلة) سيطر الخوف من الشر على إرادة الناس، وظلت قاعدة سد الذرائع المقدمة على جلب المصالح تفوّت علينا من المصالح ما أصبحنا به متأخرين بعقود _إداريا وتعليميا واقتصاديا_ عن أمم كانت أقل منا..

لقد استغرقت البشرية قرونا لكي تعي أن خيريتها هي الأصل، وأن شرها مقدور عليه بإرادة الله وتوفيقه، واكتشفت الآن وفي عصر الاستهلاكية أن الجدّة والتحديث والبقاء على قيدهما هما المعيار الأهم في حياتنا المعاصرة.

وهكذا وكما يقول أبونا : وربما تفرض عليك إرادة الخير فرضا، حين ترى كل العالم يتقدم في موجة الرقمية والبيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، وأنت مازلت تضمنها في إضبارة مشروع تبقى على رؤيته ثلاثة عشر عاما، حيث وقتها قد يكون العالمون قد سكنوا كواكب أخرى..

جاء في بالي سؤال آخر، كم سيكون سعر المتر في الرياض وقتها؟

Posted in غير مصنف